السياسة الكويتية – داود البصري:للثعابين الإيرانية السامة الزاحفة و المتسلقة في العراق جحور و أماكن بعضها سري و متوار في الظلام وغير واضح للعيان او خلف مؤسسات وهمية و تمويهية وبعضها واضح وضوح الشمس في رابعة نهار العراق و لعل ملف التسلل الاقتصادي الإيراني للسوق الفوضوية في العراق هو واحد من اخطر الملفات الستراتيجية حساسية التي يتلاعب بها و بأوراقها و زواياها النظام الإيراني , فهذا النظام كما هو معلوم يعاني من حصار اقتصادي دولي واسع المدى و تتخطى أولوياته كل المخارج الأمنية و السياسية و الاقتصادية للنظام , ففي الوقت الذي يدعي فيه امتلاكه زمام القوة و المطاولة ويدعو إلى تثوير الجماهير الإسلامية وينثر الأموال على أنصاره ومحازبيه وقواعده الناشطة وتلك النائمة التي تنتظر الفرصة للانقضاض فإنه يمارس سياسة تسلل اقتصادي خطيرة للغاية في الحلقات الهشة في الإقليم العربي وخصوصا في الساحتين السورية والعراقية من دون إغفال الساحة الخليجية
التي له فيها قواعد و منشآت و مؤسسات ورجال و تجار بعضهم بات مسيطرا على أسواق الجملة و على مواقع تجارية واقتصادية مهمة في الكثير من دول الخليج العربي , فالوجود التجاري الإيراني و المؤسسات التجارية التابعة للحرس الثوري منتشرة طوليا وعرضيا في الشرق العربي من دبي وحتى الكويت مرورا بالبصرة وليس انتهاء بدمشق التي تعمل فيها رؤوس الأموال الإيرانية على امتلاك وإدارة منشآت ستراتيجية مهمة مثل مكاتب الاستيراد والتصدير تحت الواجهات التمويهية و مصانع السيارات فضلا عن إدارة شبكات التهريب الدولية المنطلقة من الشام ولبنان والتي تشارك في الكثير منها شركات تابعة ل¯ "حزب الله" الإيراني اللبناني لها استثمارات دولية كثيرة بأسماء رجال أعمال عرب وبعضهم عراقيين يديرون أعمالا تجارية تمتد من الدوحة وحتى الدار البيضاء و تعبر المحيط لتصل إلى اميركا اللاتينية , من دون أن نتجاهل بأن تلك الشبكة الاقتصادية الأخطبوطية الهائلة تمتلك من أدوات الإدارة و التسويق وعناصر إدارة الملفات التجارية الحساسة ما يجعلها تشارك في عقد صفقات التسلح وفي شراء المواد النووية من أجهزة تخصيب و مواد انشطارية وكذلك اليورانيوم من آسيا الوسطى ومن بقايا المعسكر الشيوعي السابق ومن مافيا السلاح الدولية , وذلك ملف واسع ومتضخم للغاية بحقائق رهيبة وصادمة لربما تشكل معرفتها بالكامل فضيحة دولية حقيقية , أما بالنسبة للعراق الذي يعيش على إيقاعات الفوضى في ظل سياسة اقتصادية غير واضحة المعالم و تفتقر للستراتيجية ومع وجود مؤسسات اقتصادية ورقابية هشة و ضعيفة وقابلة للاختراق من خلال الرشوة أو الولاء السياسي و الطائفي فإن شطارة التجار الإيرانيين وأجهزة النظام الإيراني تبدو متجلية بالكامل و تأخذ راحتها على الآخر , فالسوق العراقية تعاني من فوضى الاستيراد غير المنضبط , كما تعاني من الهشاشة القاتلة في جهاز الرقابة النوعية على السلع و البضائع الداخلة للعراق من مصادر شتى وهو مايجعل السلع الإيرانية المتدنية الجودة والفاقدة للصلاحية والتي لا تتناسب مواصفاتها مع المواصفات الدولية المعتمدة تجد مساحتها وانتشارها في الأسواق العراقية وبما يشكل واحداً من أكبر التحديات التي تجابه الأمن القومي العراقي وهو الملف الصحي للمواد والصناعات الغذائية التي تزخر بها السوق العراقية ولا يعرف المواطن العراقي شيئا عن صلاحيتها وفاعليتها والمواد الأساسية الداخلة في تركيبتها , وهو ملف لا تهتم به الحكومة العراقية كثيرا وهي التائهة في مواجهة أجندات الإرهاب والعنف و الصراع على السلطة والاصطفافات الطائفية الأخرى التي جعلت عملية إدارة الملفات الحياتية والستراتيجية الأخرى تنحدر نحو اهتمامات ضعيفة للغاية , الايرانيون باتوا يتمددون في مساحات التخريب الداخلي في العراق براحة ستراتيجية عجيبة , فبدءا من حرب الموارد الطبيعية التي يشنونها على العراق من خلال تحويل مجرى نهر "كارون" في الأحواز العربية ومنع مياهه من الصب في شط العرب أو ما يسمونه هم "أروند رود" أخزاهم الله وما يجره ذلك من نتائج سلبية على الوضع البيئي في حوض شط العرب , فإنهم وباعتراف سلطات محافظة البصرة يمعنون في إرسال مياه البذل الإيرانية لشط العرب ليساهموا في رفع نسبة الملوحة فيه و الإجهاز على البساتين والأراضي الخصبة وتلويث البيئة العراقية بسمومهم ونفاياتهم , هذا من دون تجاهل أخطار المنشآت والمشاريع النووية و البتروكيمياوية الإيرانية في المناطق الحدودية مع العراق ومياه الخليج العربي وتأثيراتها الصحية القاتلة , أما محاولة السيطرة على حركة التجارة و السلع و التبادل في السوق العراقية فهي قائمة ومستمرة في ظل انفتاح الأسواق العراقية وبلا حدود أمام طوفان السلع و الصناعات الإيرانية المتدنية الجودة والمليئة بمخاطر صحية لا يعلم مداها إلا من يمتلك ملفات تلك التجارة السرية التي هدفها زرع الموت في الجسد العراقي العليل , فالسيطرة الإيرانية الاقتصادية على العراق هي العنصر الأساسي والحاسم في ملف السيطرة الإيرانية المطلقة على ملفات ومراكز صنع القرار في العراق , وهذا الملف الحيوي و الستراتيجي قد تم تناسيه رسميا أو تم التعاطي معه من خلال غض الطرف و التهاون بل و التواطؤ المفضوح خصوصا و أن أمور وزارة التجارة و المؤسسات التجارية والرقابية في العراق هي اليوم كما في السابق كانت تحت سيطرة الأحزاب والجماعات و العصابات العميلة والمتحالفة مع نظام طهران. فهل يعي الشعب العراقي خطورة ما يحاك? وهل يعلم بأن قائمة أولوياته واحتياجاته الأساسية باتت طهران هي أحد من يتحكم بمفرداتها ? إنه أمر في غاية الخطورة خصوصا وإن الصمت والتجاهل الرسمي هو سيد الموقف , فسموم الثعبان الإيراني الزاحف لن تتوقف قبل شل الجسد العراقي بالكامل و الإجهاز عليه.. فما ترانا فاعلون? تلك هي القضية وذلك هو الملف المنسي.
كاتب عراقي








