الحياة-غازي دحمان :أن يرفض قادة «حزب الله» الاعتراف بالمحكمة الدولية والقرار الظني الذي سيصدر عنها، فذلك يبدو امراً مفهوماً، ومنطقياً، ولو بقدر نسبي، أقله من ناحية أنه سيتأثر بإفرازاتها والاستحقاقات التي سيرتبها قرارها الظني، إن على مستوى شرعية الحزب، أو على مستوى الصورة الإدراكية التي تشكلت عنه في الوعي العربي، وبخاصة بعد حرب تموز (يوليو) 2006. وهذا من دون إغفال حقيقة أن ما جعل هذا الأمر يدخل في خانة المنطقية،
وحتى تشريعها، سلوك أولياء الدم أنفسهم، ومراعاتهم حتى اللحظة ظروف الحزب وواقعه، فضلاً عن إدراك التعقيدات الإقليمية والدولية المحيطة وموقع لبنان والحزب في إطارها.
وحتى هذه اللحظة، بدا لبنان قادراً على إدارة هذا التناقض وضبطه في سياقات محددة، فمجرد عدم الانزلاق إلى حالة الفوضى بدا بحد ذاته إنجاز الإنجازات وسط ذلك الكم الهائل من التهويل والتوتير. غير ان من الواضح أن كل التنازلات التي أمّنت الاستقرار اللبناني، بدت في عين «ولي الفقيه» المرشد الإيراني الأعلى، غير ذات قيمة، ما دفعه إلى اعتبار المحكمة لاغية، وتالياً إبطال كل ما ينتج منها، من دون أي اعتبار لرأي الطرف الآخر، أو حتى مراعاة مشاعر فريق لبناني بكامله. وهو الأمر الذي لو قرر أولياء الدم اتخاذه لاحتاجوا إلى ورشة تدوير زوايا وتربيع دوائر معقدة ومضنية.
وعلى ذلك، يطرح موقف المرشد الكثير من الأسئلة المحرجة عربياً ولبنانياً، بدءاً من محاولة العرب، عبر التفاهم الذي يطلق عليه «س – س»، إيجاد مخارج آمنة للأزمة اللبنانية، باعتبارها أزمة تخص كياناً عربياً، إلى المحاولات اللبنانية الدؤوبة في توصيف «حزب الله» كياناً لبنانياً خالصاً، الأمر الذي يمنحه، ليس شرعية الوجود وحسب، وإنما الفعل (المقاوم والمساوم على السواء).
غير أن السؤال الأهم الذي يطرحه موقف المرشد، يتعلق بالمشكلة التالية التي ستتدخل فيها إيران في هذا العالم العربي المستباح، وبخاصة بعدما صارت تصادر حقه، ليس في التعامل مع مكوناته الاجتماعية والسياسية وحسب، وإنما في كتابة تاريخه والتعامل مع تراثه، وهو ما بدا جلياً في طرحها قصة المسيح ومحاولة ترويجها وتثبيتها وفق رؤية إيرانية صرفة، وفرضها تالياً كحقيقة ناجزة ووحيدة.
ولا شك في أن الموقف الإيراني يثير الكثير من المخاوف، إذ تنظر إيران إلى عالم العرب على أنه ساحة نفوذ ومجال هيمنة. ومع تعاظم التوتر في العلاقات الإيرانية الدولية، يزداد السعي الإيراني لتحويل دول عربية عدة أوراق ضغط وتفاوض مع الغرب. وهكذا تقوم إيران برهن المجتمعات العربية، وتدمير علاقات مكوناتها بعضها ببعض، والأهم، تأسيس حالة من الفوضى في عدد كبير من الدول العربية، وكل ذلك يجري، للأسف، استناداً إلى ضعف بعض العرب، واعتماداً على بعضهم الآخر!
* كاتب فلسطيني








