يدالله علي زاده: في إيران التي تعيش أسوأ حقبة تاريخية حملت شعار العمامة والمشنقة، يشعر الفنان أنه في قفص أسوأ بكثير من القفص الذي يضم بلبلاً اقتناه أحد الهواة من سوق الطيور، فالبلبل قادر على التغريد رغم وقوعه في الأسر، أما المطرب في بلد الفاشية الدينية، فغناؤه في سجنه الكبير قد يكون سببًا في وقوعه في ورطة كبيرة أمام الرقيب الذي يتفحص الأغنية ويمحص كلماتها ولحنها ويتأكد من عدم تجاوزها الخطوط الحمراء التي رسمتها عقلية الولي الفقيه الجاهل، وما أكثر الخطوط الحمراء في إيران! وحتى وقت قريب، وقبل تولي الملالي الحكم فيها، كانت إيران منارة للفن في شتى مجالاته من غناء وتمثيل وإخراج سينمائي وتلفزيوني ورسم ونحت….
وكل تلك المواهب الجبارة كانت نتاجًا طبيعيًا للإرث الحضاري الغني الذي تتمتع به الأمة الإيرانية، ولم يكن أحد ليصدّق أن إيران سيصل بها الحال إلى ما هو عليه الآن من سيطرة الفكر المتطرف المتمثل بالملالي على مركز القرار ومحاولتهم تكريس حال التخلف والجهل والتطرف الديني في البلاد. ولعل إيران حطمت رقمًا قياسيًا في هجرة الفنانين إلى الخارج هربًا من بطش الولي الفقيه الجاهل الذي يعتبر كافة الفنون محاربة لله ورسوله، ولم يمض شهر على وفاة فنانة الشعب الإيراني الشهيرة (مرضية) التي وافاها الأجل في منفاها الإختياري بباريس التي كانت قد لجأت إليها هربًا من عصابات المعممين التي دأبت على ملاحقة المبدعين والتنكيل بهم والكيد لهم. وفي الأسبوع الماضي كان مطربو (الراب) الشباب الضحية الجديدة لقوات التعبئة (الباسيج) المعروفة بمكرها وغدرها وولائها المطلق للزمرة الحاكمة، فقد أصدر الولي الفقيه الدجال أمرًا بمنع هذا اللون من الغناء واعتقال جميع مطربيه باعتبارهم (يحاربون الله ورسوله)! ومعروف أن الراب لون عالمي في الغناء يتبع اسلوب السرد السريع الذي غالبًا ما يكون نقدًا للواقع السلبي المفروض على المجتمع في إطار من الكوميديا السوداء المشحونة بالعاطفة والرغبة بكسر القيود التي تكبل الحرية الشخصية، فالراب في معظم قصائده المغناة عبارة عن دعوة للتحرر من الضغط النفسي الذي تمارسه السلطة الدكتاتورية على فئة الشباب المقموعين في بلد بات مقبرة للطموح، ومن هنا فإن الراب من شأنه أن يؤلب مشاعر الجمهور ويستفزه ويثير سخطه ونقمته على الحاكم المستبد، وهذا شيء يهدد بتعريض منظومة الملالي لخطر لا يستهان به في وقت باتت فيه هذه المنظومة هشة وآيلة للسقوط أكثر من أي وقت مضى، خصوصًا بعد الإنتفاضة الشعبية الكبرى التي اندلعت في عموم المدن الإيرانية في العام الماضي. وبالفعل لقد لعب الراب دورًا مميزًا في استنهاض الثورة الداخلية في نفوس الشباب ضد الواقع المرير والصورة المشوهة لبلد لم تبق فيه نسمة حرية بعد مصادرة الحريات وقمع الأصوات المطالبة بالتغيير الديمقراطي وإنهاء الكابوس الأسود الجاثم على صدور الإيرانيين. إن الخطوة الغبية التي أقدمت عليها السلطة الفاشية الحاكمة بملاحقة مطربي الراب فضحت خوف الملالي من أية ظاهرة جديدة تحمل ولو تلميحًا بسيطاً لما يعانيه الشباب الإيراني من بطالة وفقر وكبت لحرية التعبير وإذلال متعمد من قبل الأجهزة الأمنية التي بمقدورها إقتحام الحرم الجامعي في أي مدينة إيرانية واعتقال من تشاء من الطلبة المشكوك في صدق ولائهم لعمامة الولي الفقيه، وهذه الخطوة (الإنفعالية) تؤشر بوضوح أن حصن الملالي بدأ بالتصدع تحت الضربات الشعبية المتلاحقة، وكلما حاول عبيد الولي الفقيه رأب صدع ظهر صدع جديد، غير مدركين بأن النهاية قد حانت وأن محاولاتهم البائسة لإنقاذ منظومتهم القمعية لم تعد تجدي نفعا.








