الملف-سفيان عباس:الغزو والاحتلال كلاهما سيان في المنظار التعريفي للقوانين الدولية ويخضعان للبطلان على وفق تلك الموازين والمعايير والثوابت والمبادئ القانونية التي أجمعت وصادقت عليها شعوب الأرض من خلال عهودها ومواثيقها المعاصرة ، ان نهج العدوان والحروب واحتلال أراضي الدول بالقوة ونهب ممتلكاتها أصبحت من المحرمات في العلاقات الدولية وتخضع بالضرورة إلى العدالة لمقاضاة صناع قراراتها غير المسوغة ، انطلاقا من مبدأ فض المنازعات بين الدول بالطرق السلمية الذي تصدر أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة . فالقواعد الملزمة للقانون الدولي تضمنت حزمة من الموانع التي تحول دون اللجوء إلى القوة أو التهديد بها ، ان الاحتلال في طبيعته جريمة دولية كونه ينتج أثرا مدمرا ضد الإنسانية ويلحق أضرارا فادحة في الأرواح والممتلكات العامة والخاصة ،
ان المبدأ الأخر الأكثر فاعلية الذي يهيمن على العدالة الدولية هو ( إذا أبطلت الحجة لزم التعويض ) يدخل ضمن المسار المدني لردع العدوان تختص في البت والفصل محكمة التحكيم ومحكمة العدل الدوليتين ، أما الإجراءات الجزائية لمحاكمة صناع قرار الغزو والاحتلال فقد تكفلت بها الأمم المتحدة اثر الحرب العالمية الثانية بعد ان شكلت دول الحلفاء محاكمات خاصة لمحاكمة القادة العسكريين الألمان واليابان برغم عدم عدالتها كونها لم تحاكم مصدر القرار ولجأت إلى القادة المنفذين لقرار العدوان المحكومين والمأمورين بموجب القوانين العسكرية لبلدهم كما هو حال قادتهم العسكريين الذين ينفذون الأوامر فحسب بغض النظر عن عدالة المهمة المكلفين بها . لقد شهدت الساحة الدولية تطورات ومتغيرات نوعية في مجال العدالة والحد من جرائم الحرب والعدوان والإنسانية والإبادة الجماعية بعد توقيع معاهدة روما عام 1998 التي تأسست بموجبها المحكمة الجنائية الدولية وأصبحت نافذة عام 2001 حيث تضمنت أحكام ومبادئ قانونية وعناصر جزائية عادلة بحق من يصدر الأوامر لارتكاب تلك الجرائم دون اعتبار لمنصبه السيادي وقد نصت على عدم الأخذ بمبدأ المسقط للعقوبة وهذا يعني ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية إلى ما لا نهاية . كما ان اختصاصها الوظيفي في محاكمة المجرمين لم يراعي كون ان الدولة طرف في معاهدة روما من عدمه برغم من ان بعض موادها القانونية بحاجة إلى تعديل وخاصة تلك المتعلقة في آلية تحريك الشكوى الجنائية ضد القادة أصحاب القرار المركزي التي تخضع إلى مشيئة مجلس الأمن الدولي في القبول والموافقة بغية إحالتها إلى المحكمة الجنائية الدولية الذي تسيطر على قراراته وتوجهاته أمريكا والغرب ومعهما الدول دائمة العضوية صاحبة النقض الفيتو لمسوغات سياسية أكثر منها قانونية وكذلك تحمي نفسها وقادتها من الملاحقة القضائية ، هذا ظلم وتفريط بحقوق الشعوب المقهورة التي تعرضت للغزو والاحتلال وتنعدم فيه أسباب العدالة ومقومات الحق ؟ وتوافقا مع هذه الرؤية القانونية لوحدة موضوعنا فأن أمريكا وبريطانيا أقدمت على غزو واحتلال العراق دون حجة مسندة على القانون الدولي المرتبطة في أسلحة الدمار الشامل ؟ إذا كيف السبيل إلى خضوع قادتهما للمحاكمة وتحديدا جورج بوش وتوني بلير أمام المحكمة الجنائية الدولية ؟ وحيث ان غزو العراق قد خلف تدمير شامل للدولة والشعب وتسبب في قتل وجرح واعتقال وتهجير الملايين ومئات الآلف من العاطلين والمعاقين والمتسولين والمجرمين دون تمييز وفتح أبواب العراق للتدخل الخارجي وخاصة النظام الإيراني الذي تربص هذه الفرصة التاريخية لكي يتوغل داخل البيت العراقي والعربي تحت غطاء الطائفية والمذهبية كما تعرضت الثروات القومية والموروثات والكنوز الحضارية للشعب إلى النهب والسلب ؟ ان التحقيقات البريطانية ضد توني بلير ربما تكون مدخلا لفتح هذا الملف وإجراء محاكمات حقيقية عادلة لغرض إنصاف الشعب العراقي ، صحيح ان القضاءين الأمريكي والبريطاني تتمتعان بالحيادية والنزهة المشهودة لهما إلا ان مطلبنا ان يكون القضاء الدولي هو الذي يجري مثل هكذا تحقيقات ومحكمات لكون مفهوم الحيادية يقع في إطار عدم النسبية والتناسب مع حجم الكارثة وتغيب عنه صفة الإطلاق أو تكون الإجراءات المتخذة في بلده تتجاذب مع المسوغات السياسية والأمن القومي وأسراره ؟ ان تحقيق العدالة على وفق هذه التصورات يجعل الشعوب أكثر اطمئنانا لماهية المعاهدات والمواثيق الدولية وبأكل تأكيد سوف تحجم نيات هؤلاء القادة المغامرين الذين يتكئون على حماية حق النقض الفيتو ؟








