الملف- نزار جاف:الجدل مازال قائما بقوة فيما يتعلق بالبرنامج النووي الايراني ومازالت الاوساط السياسية الدولية تنظر بعين الشك والريبة الى هذا البرنامج وتسعى بشتى الطرق والوسائل لوضع حد مناسب له، فيما تتطلع الدول العربية بقلق مشوب بالحذر من التداعيات المستقبلية القائمة على خلفية هذا البرنامج حيث ان نجاح طهران في مشروعها يمثل تحديا کبيرا للعرب فيما لو تمت مواجهة عسکرية لحسم مسألة البرنامج النووي الايراني، فإن طهران ستجنح الى استخدام الساحة العربية کحلبة رئيسية للنيل من المهاجمين.
وقد يتسائل البعض عن سبب تمسك النظام الايراني ببرنامجه المثير للجدل هذا وعلى الرغم من ان هناك اسبابا وليس مجرد سبب واحد لکن السبب الاهم ولاسيما في الحلة الحالية هو ان هذا النظام بحاجة ماسة لتحويل الانظار صوب الخارج خصوصا بعد الصفعة الکبيرة التي تلقاها النظام من جانب الشعب الايراني على عملية الانتخابات الرئاسية و التي کانت في حقيقتها تجسيدا للرفض الشعبي الايراني للنظام ذاته و رغبته في التغيير والتمتع بالحرية و الحياة الحرة الکريمة، الانتفاضة التي حدثت عقب الانتخابات الرئاسية والتي فاجئت العالم کانت في الحقيقة نتيجة وحاصل تحصيل متوقع لمجريات وسياق الاحداث في إيران في ظل نظام ولاية الفقيه الشمولي القمعي، وهي بقدر ما فاجئت العالم فإنها باغتت النظام وأذهلته بدرجة أفقدته صوابه في طريقة واسلوب التصدي لمعالجة الموقف ففي الوقت الذي يدعي النظام زيفا وزورا بإنه نظام ديمقراطي ويراعي حقوق وحريات الانسان فإنه وبمرأى ومسمع من العالم قد لجأ الى اسلوب قمعي وبوليسي مغالي في العنف وتؤکد المعارضة الايرانية بهذا الخصوص انها تمکنت من الحصول على جزء من شريط للمکالمات اللاسلکية لنائب قائد قوات الامن الداخلي في إيران (احمدرضا رادان) خلال التصدي العنيف لإنتفاضة الشعب الايراني يوم20/حزيران/2009 في العاصمة طهران حيث کان يقود عملية قمع الانتفاضة ميدانيا، هذا الشريط الذي تم تسليمه الى المنظمات والهيئات الدولية المدافعة عن حقوق الانسان يتضمن اوامر صريحة صادرة من جانب هذا المسؤول الى الاجهزة التابعة له لقمع المتظاهرين حيث يقول في احدى مکالماته الموجهة لرجاله المتواجدين في ساحات التظاهر: (کسر کل رجل من أرجل المتظاهرين تساوي ثوابا واحدا) ويصدر اوامره بالقول الصريح: (اضربوهم بشدة، اضربوا هؤلاء المتظاهرين في شارعي ولي عصر و انقلاب، اضربوا هؤلاء الاجانب، مزقوا أجسادهم، ارسلوهم الى الشمال فهناك قوات التعبئة"البسيج"سوف تستقبلهم)، والغريب ان نائب قائد قوات الامن الداخلي في إيران لا يتوقف عند هذا الحد وانما يذهب أبعد من ذلك عندما يقول بکل صلافة: (اسرعوا في لملمة الاحداث و اضربوا هؤلاء و مزقوا اجساهم، أنا بنفسي أتحمل المسؤولية)!! الکلام او التعليق على هذه الاوامر الوحشية الصادرة من جانب هذا المسؤول ليست بحاجة الى أي تعليق فهي تفسر بنفسها معدن وجوهر نظام ولاية الفقيه و تبين الارضية التي يرتکز عليها منذ مجيئه الى السلطة عام 1979 بعد ان صادر ثورة الشعب الايراني من اجل التأسيس لنظام قمعي شمولي أکثر شراسة و وحشية من نظام الشاه نفسه.
النقطة المهمة والجديرة جدا بالملاحظة والتوقف عندها، هي ان الشعب الايراني يتميز بخاصية تکاد تميزه بعض الشئ عن شعوب المنطقة، خاصية عدم نسيانه للضيم وعدم تقبله وسکوته عليها وهو وان صبر فإن صبره ليس الى ما لا نهاية وان أية شرارة مناسبة ستعيد مشاهد التصدي الجماهيري للنظام الايراني الى أنظار العالم برمته وان النظام حاليا يقوم بالتحشيد داخليا لأکبر مناورة لأفراد الحرس الثوري والتعبئة (ميليشيات البسيج) وهدفها الاهم ليس الغرب او امريکا او اسرائيل کما تسوق أقلاما تابعة للنظام نفسه وانما هو الشعب الايراني نفسه حيث يريد النظام ان يبعث برسالة حديدية قمعية لکل شرائح الشعب الايراني مفادها انه ليس من سبيل امامه سوى الخضوع والقبول بهذا النظام الذي هو ماض في طريق قمع وتصفية معارضيه ورافضيه الى النهاية.
ان وخامة الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في إيران بشکل خاص وإزدياد نسبة الايرانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر بشکل ملفت للنظر کما ان زيادة الظواهر السلبية الاجتماعية في اوساط المجتمع الايراني في ظل هذا النظام تحدد مبررات واسباب الانتفاضة وطالما کان النظام الايراني عاجز عن تحسين الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعب الايراني خصوصا في ظل سياسته الحالية المبنية اساسا على مبدأ تصدير(الارهاب) و(الفوضى) الى العالم بشکل عام والى دول الجوار بشکل خاص، فإن الشعب الايراني سيبقى بالمرصاد لهذا النظام وان تحشيداته ومناوراته وتعزيزاته الامنية عندما تقوم الساعة لن تخيف الشعب الايراني وکما أطاح بعرش الطاووس فإنه جدير بأن يطيح بمملکة المعممين التي تعيث فسادا في الارض وان البريق الخارجي المزيف الذي يحرص النظام للظهور به أمام مناوئيه والعالم ليس بإمکانه أبدا إخفاء معالم الظلام والتخلف والدمار في الداخل وان الايام القادمة حبلى بأکثر من مفاجأة غير سارة للنظام.








