المحامي سفيان عباس: الديمقراطية أسلوب سياسي يرمز إلى الوعي الثقافي والحضاري المتمدن لدى الحكومات وشعوبها كونه يمنح الشعب حقوقه الوطنية والدولية الواردة في الدساتير والمعاهدات والمواثيق وهي تعني أيضا حكم الشعب لنفسه بنفسه عن طريق ممثليه المنتخبين . والديمقراطية الرائدة في نهجها التطبيق تحتاج إلى حكام ومحكومين ديمقراطيين يمتلكون مقومات القبول والممارسة الصائبة على أساس أنها نهج تربوي يعتادون عليها بمرور الزمن دون اللجوء إلى القوالب العبثية الجاهزة لنظريتها . هذه القاعدة العامة للديمقراطيات المتبعة في اغلب الدول صاحبة السبق الحضاري ولهذا نجد الاستقرار واستتباب نظام السلم الاجتماعي ودعائم العمل السياسي التي تؤدي حتما الى الرخاء والتقدم . صحيح أنها حديثة العهد لم تشهدها شعوب الأرض من قبل خاصة على زمن الأباطرة والسلاطين والملوك وحكم النبلاء الجائر وسطوة التيارات الدينية الطائفية إبان القرون الوسطى وما أعقبها من تغييرات جوهرية لأنظمة الحكم والثورات الجماهيرية التي اجتاحت دول أوربا المطالبة باللبرالية والتحرر من القيود وحرية الرأي والضمير وفصل الدين عن السياسة .
لقد تمسكت تلك الشعوب وبقوة منذ ذاك التاريخ بحقها في صناعة القرار المركزي والاستراتيجي من خلال الديمقراطية بعد أن دفعت الثمن الباهظ من اجل تقرير مصيرها مع الحكام الشموليين حتى استقر عليها الحال كما هو اليوم ؟ ولكنها وبكل الأحوال استطاعت المضي قدما وتحقيق النجاحات الباهرة بعد أن تجاوزت مرحلة هيمنة رجال الدين على الشؤون العامة وهذا هو سر فلاحها المنزوع كرها مقابل دمائها التي عطرت الوجه الحقيقي للديمقراطية وجعلت من حكامها مرغمين على الإيمان بها وتداول السلطة سلميا . أما البعض من شعوب الأرض المغلوب على أمرها القابعة تحت جور النظم الدكتاتورية بالاسم الشكلي للديمقراطية لا زالت بعيدة المنال عن المماثلة مع غيرها ممن سبقتها ، وما عليها إلا الإصرار والتحدي السلمي والتمسك بالعصيان المدني وفق الأحكام الدستورية التي أقرتها تلك الأنظمة دون تطبيق وما عليها إلا الاقتداء بالشعب الإيراني الشقيق وثورته الكبرى المستمرة ضد الدكتاتورية الدينية ورموزها كما حصل من قبل مع شعوب الجمهوريات السوفيتية المنحلة في أوكرانيا ورومانيا وجورجيا . فالنظام السياسي الذي يدعي الديمقراطي ويروج لمفاهيمها النظرية عبر وسائله الإعلامية أو شعاراته الانتخابية عليه الامتثال إلى المعايير الخاصة بحقوق الإنسان وما ورد في بنود العهود الدولية ويكون أو الماثلين نصا وروحا إلى المثل الدستورية وقواعدها القانونية وان يتمسك بالمشروع الوطني على أساس المشاركة الواسعة للشعب بالحياة السياسية دون إقصاء وان تكون كتابة الدستور من قبل الجهات الحيادية صاحبة الاختصاصات ذات الصلة ، وان لا يغرق نفسه بأحلام الطائفية المريضة ويبتعد عن الأجندات الخارجية بهذا الشأن ، وحذاري من إرهاب الدولة ضد الشعب وتصفية الخصوم السياسيين عن طريق توجيه الاتهامات اللاخلاقية بتمويل الإعمال الإجرامية التي تحصد أرواح أبناء شعبنا دون رحمة مع علمه اليقين بالجهات التي تقف خلفها . إن التطبيقات العملية للديمقراطية بحاجة إلى النخب القيادية التي تؤمن بأن البقاء دائما للشعوب وما عليها إلا تأدية دورها الوطني بشرف عال ، وتقف الحكومة العراقية على رأس الهرم الاسوء عالميا من حيث إيمانها وممارساتها وتقبلها للديمقراطية بل العكس هي تذكي الفوضوية تحت خيمة الديمقراطية تحقيقا لمشروعها الطائفي الذي يتناغم بالضرورة مع الأطماع التوسعية للنظام الإيراني وكلاهما بعيدون جدا عن تحقيقها لان الشعبين العراقي والإيراني أول الرافضين لأسلوب حكمهما كونهم أشاعوا الرعب والترهيب للمعارضين السياسيين ، ولعل التوافق والتطابق في النهج بات مكشوفا في كلا البلدين ، ومن المخجل إنهما يدعيان في التبجح الفوضوي للديمقراطية ؟ والله وراء القصد ؟








