أوان الكويتية-منى فياض:في مسرى الأحداث المتتابعة في إيران، ينحو المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي باللائمة على من وصفهم «بالقوى الغربية المعادية والإرهابيين». ويجاري المرشد في فهمه للأمور اليساريين الأميركيين -والغربيين عموماً- ولقد أشار إلى ذلك ريز أرليخ صاحب العديد من المؤلفات حول الأوضاع الإيرانية، في مقالة له عن موقف اليساريين في تفسيرهم للأحداث، أنها بدعم من السي. أي. أي، بالاعتماد على ما عرف من ممارسات سابقة لها، من أجل الاستنتاج أن الولايات المتحدة تقف خلف الأحداث.
مع أنه من الواضح للعيان (ومن دون نفي احتمالات تدخلات خارجية) أن القوى الغربية كانت متفاجئة مما يحصل، وهي في أحسن الأحوال تلهث خلف الأحداث ولا تصنعها.
مع ذلك في موقف اليساريين عموماً مفارقتان، الأولى هي في عدم العودة إلى أية وقائع محددة تدعم هذا الزعم. والثانية أنه يحق لهم اتهام بلدهم ومخابراته بالتدخل في إيران، من دون أن يتعرضوا لأية مساءلة، بينما كلامهم يؤخذ كذريعة إضافية من أجل إدانة المطالبين بحريتهم والديمقراطية في إيران، وممارسة أقسى عنف تجاههم. وفيما هم ينتقدون الحكومة الأميركية لمساعدتها للإيرانيين في إيجاد وسائل حديثة للتواصل! يتمتعون بحرية مطلقة في ممارسة ما يشاؤون من تواصل وحرية تعبير. ذلك يجعل منهم يكيلون بمكيالين، لأنهم يرفضون للإيرانيين الحريات الأساسية التي تجعلهم يتخذون مجمل مواقفهم. وفي هذا موقف استشراقي محتقر «للعالمثالثيين» الذين يزعمون مساندتهم.
والمشكلة كما نعلم لا تقتصر على أجهزة المخابرات، بل تطال الإعلام. فبحسب السلطات في إيران، فإنّ المحرّك الفعّال «للمؤامرة» الهادفة إلى قلب نظام الحكم الجمهوري الإسلامي، هم فريق عمل محطّة الـ«بي. بي. سي» اللندنيّة الناطقة باللغة الفارسيّة. ويبلغ عددهم 140 شخصاً، من الرجال والنساء، وهم بحسب السلطات في طهران، يخوضون حربا مفتوحة ضدّ الجمهوريّة الإسلاميّة. وفي هذا احتقار لعقول الإيرانيين في الدرجة الأولى، ولعقول سائر البشر.. ثم لماذا يشعر نظام ما أنه مهدد طالما هو ديمقراطي وممثل لمصالح غالبية الجماهير التي حاربت طويلاً لأجله؟ ….
ولنضع أنفسنا موضع الإيرانيين الشباب، ولنستمع إلى خطبة المرشد في يوم الجمعة (19\6) الذي تلى الانتخابات معلناً: «الشعب اختار ولن أرضخ للشارع.. قادة التظاهرات يتحمّلون مسؤولية العنف». وكأن الشارع ومتظاهريه لا يشكلون جزءاً من هذا الشعب.. ماذا كان واحدنا سيشعر به أو يفكر فيه؟ وهل يحتاج إلى صوت أميركا لكي يشعر بالقهر والذل ومحاولة الانتفاض لمواجهته؟
من الملاحظ هنا تضخيم دور الإعلام إلى درجة أن حميد رضا مقدّمفار، مدير وكالة فارس شبه الرسمية في إيران، وصف تغطية الـ«بي. بي. سي» الفارسيّة لما يجري في إيران بـ«الحرب النفسانيّة»، قائلاً إن المهمّة التي تتنكّبها المحطّة تتمثّل في «بثّ الأكاذيب وتحريف الأخبار».
ويبدو أنهم الخبراء في هذا المجال. فلقد جعل النظام وامتداداته من البروباغندا أداتهم الفضلى، وكان الوضع في لبنان والانتخابات التي جرت فيه مادة داخلية إيرانية على لسان رئيسها أحمدي نجاد الذي قال إنه في حال فوز قوى 8 آذار سيتغير وجه المنطقة. فيما يحمّل خامنئي المسؤولية فيما حصل في الإنتخابات الإيرانية إلى كون «الأعداء يريدون خلق نزاع بين الإيرانيين، بينما التنافس بين المرشحين عائلي، وفي بعض الأحيان يحصل شجار عائلي، ولكن لا علاقة لهذه القضية بالأجانب. الأعداء يريدون خلق نزاع بين الإيرانيين. ما شأنهم بهذا الأمر؟». وإذا كانت الانتخابات الإيرانية شأناً داخلياً من ضمن «أسرة واحدة متحابة» -فالبطريركية لا تعتبر سوى «الأبوة» مرجعاً لها، وليس للمواطنية أو للقوانين والدساتير والمؤسسات!- وإذا كان هذا صحيحاً، فهل لبنان هو جزء من هذه الأسرة الإيرانية، التي تجد في كل من يخالفها الرأي «طابوراً خامساً» تابعاً لأعداء الأمة؟
وإذ تحلو المقارنة دائما بين إيران ولبنان، من اللافت أن مفهوم الحرب النفسانية المراد تحميله مسؤولية الأحداث في إيران كان الوسيلة الفعالة التي طبقت واستخدمت في لبنان طوال الأربع سنوات الفائتة.
ولقد سبق للنازية أن برعت في استخدام السايكولوجيا الجماهيرية، من أجل زرع الخوف والتأثير على المعنويات لدى أعدائها. فقد استخدم هتلر هذا المفهوم وحوله إلى أسطورة فاعلة خلال الحرب، فغرضه تحقق عبر زرع الخوف عند الناس. ولعب هتلر كثيرا على عدم قدرة المستمعين على التمييز بين التهديدات الحقيقية والإنذارات الخاطئة. فالمناداة بصوت عال ببعض الأخطار نادرا ما تكون الأكثر خطورة. وعندما نصدق وجود عدو حقيقي في مكان ما، يجعلنا هذا لا نتوقف عن التساؤل والعيش في الريبة ونسقط في الفخ الذي يتوجب تجنبه.
كل هذا يؤدي إلى ضعف المعنويات الذي لها تأثير سلبي اكثر من أعمال التخريب نفسها. فإستراتيجية زرع الرعب تجعل من الفكرة أسطورة تفعل فعلها بمعزل عن الواقع؛ ومن المعلوم أن محاربة الأسطورة أصعب من محاربة الواقع. ويصبح المطلوب بالتالي على الفرد أن يرتاب من نفسه ومن هواماته وخوافاته نفسها…..
أما فكرة الطابور الخامس، فلقد انتفت منذ اللحظة التي نجح فيها أوباما في الانتخابات التي أسهمت في زعزعة السلطة في إيران. فالنظام الإيراني كان متأقلماً مع وجود عدو خارجي طائش، لكن ما العمل تجاه حياد أوباما الفعلي؟
على المرشد أن يطرح بعض الأسئلة، وأن يتوقف طويلاً أمام تحول شعار «الموت لأميركا» إلى «الموت للديكتاتور»! فنتائج الانتخابات ليست مجرد عملية تزوير معلن، بل هي أنموذج للاحتقار الذي تكنّه السلطة للشعب الإيراني «النائبة عنه في ولاية مطلقة» تسحقه بسببها
مع ذلك في موقف اليساريين عموماً مفارقتان، الأولى هي في عدم العودة إلى أية وقائع محددة تدعم هذا الزعم. والثانية أنه يحق لهم اتهام بلدهم ومخابراته بالتدخل في إيران، من دون أن يتعرضوا لأية مساءلة، بينما كلامهم يؤخذ كذريعة إضافية من أجل إدانة المطالبين بحريتهم والديمقراطية في إيران، وممارسة أقسى عنف تجاههم. وفيما هم ينتقدون الحكومة الأميركية لمساعدتها للإيرانيين في إيجاد وسائل حديثة للتواصل! يتمتعون بحرية مطلقة في ممارسة ما يشاؤون من تواصل وحرية تعبير. ذلك يجعل منهم يكيلون بمكيالين، لأنهم يرفضون للإيرانيين الحريات الأساسية التي تجعلهم يتخذون مجمل مواقفهم. وفي هذا موقف استشراقي محتقر «للعالمثالثيين» الذين يزعمون مساندتهم.
والمشكلة كما نعلم لا تقتصر على أجهزة المخابرات، بل تطال الإعلام. فبحسب السلطات في إيران، فإنّ المحرّك الفعّال «للمؤامرة» الهادفة إلى قلب نظام الحكم الجمهوري الإسلامي، هم فريق عمل محطّة الـ«بي. بي. سي» اللندنيّة الناطقة باللغة الفارسيّة. ويبلغ عددهم 140 شخصاً، من الرجال والنساء، وهم بحسب السلطات في طهران، يخوضون حربا مفتوحة ضدّ الجمهوريّة الإسلاميّة. وفي هذا احتقار لعقول الإيرانيين في الدرجة الأولى، ولعقول سائر البشر.. ثم لماذا يشعر نظام ما أنه مهدد طالما هو ديمقراطي وممثل لمصالح غالبية الجماهير التي حاربت طويلاً لأجله؟ ….
ولنضع أنفسنا موضع الإيرانيين الشباب، ولنستمع إلى خطبة المرشد في يوم الجمعة (19\6) الذي تلى الانتخابات معلناً: «الشعب اختار ولن أرضخ للشارع.. قادة التظاهرات يتحمّلون مسؤولية العنف». وكأن الشارع ومتظاهريه لا يشكلون جزءاً من هذا الشعب.. ماذا كان واحدنا سيشعر به أو يفكر فيه؟ وهل يحتاج إلى صوت أميركا لكي يشعر بالقهر والذل ومحاولة الانتفاض لمواجهته؟
من الملاحظ هنا تضخيم دور الإعلام إلى درجة أن حميد رضا مقدّمفار، مدير وكالة فارس شبه الرسمية في إيران، وصف تغطية الـ«بي. بي. سي» الفارسيّة لما يجري في إيران بـ«الحرب النفسانيّة»، قائلاً إن المهمّة التي تتنكّبها المحطّة تتمثّل في «بثّ الأكاذيب وتحريف الأخبار».
ويبدو أنهم الخبراء في هذا المجال. فلقد جعل النظام وامتداداته من البروباغندا أداتهم الفضلى، وكان الوضع في لبنان والانتخابات التي جرت فيه مادة داخلية إيرانية على لسان رئيسها أحمدي نجاد الذي قال إنه في حال فوز قوى 8 آذار سيتغير وجه المنطقة. فيما يحمّل خامنئي المسؤولية فيما حصل في الإنتخابات الإيرانية إلى كون «الأعداء يريدون خلق نزاع بين الإيرانيين، بينما التنافس بين المرشحين عائلي، وفي بعض الأحيان يحصل شجار عائلي، ولكن لا علاقة لهذه القضية بالأجانب. الأعداء يريدون خلق نزاع بين الإيرانيين. ما شأنهم بهذا الأمر؟». وإذا كانت الانتخابات الإيرانية شأناً داخلياً من ضمن «أسرة واحدة متحابة» -فالبطريركية لا تعتبر سوى «الأبوة» مرجعاً لها، وليس للمواطنية أو للقوانين والدساتير والمؤسسات!- وإذا كان هذا صحيحاً، فهل لبنان هو جزء من هذه الأسرة الإيرانية، التي تجد في كل من يخالفها الرأي «طابوراً خامساً» تابعاً لأعداء الأمة؟
وإذ تحلو المقارنة دائما بين إيران ولبنان، من اللافت أن مفهوم الحرب النفسانية المراد تحميله مسؤولية الأحداث في إيران كان الوسيلة الفعالة التي طبقت واستخدمت في لبنان طوال الأربع سنوات الفائتة.
ولقد سبق للنازية أن برعت في استخدام السايكولوجيا الجماهيرية، من أجل زرع الخوف والتأثير على المعنويات لدى أعدائها. فقد استخدم هتلر هذا المفهوم وحوله إلى أسطورة فاعلة خلال الحرب، فغرضه تحقق عبر زرع الخوف عند الناس. ولعب هتلر كثيرا على عدم قدرة المستمعين على التمييز بين التهديدات الحقيقية والإنذارات الخاطئة. فالمناداة بصوت عال ببعض الأخطار نادرا ما تكون الأكثر خطورة. وعندما نصدق وجود عدو حقيقي في مكان ما، يجعلنا هذا لا نتوقف عن التساؤل والعيش في الريبة ونسقط في الفخ الذي يتوجب تجنبه.
كل هذا يؤدي إلى ضعف المعنويات الذي لها تأثير سلبي اكثر من أعمال التخريب نفسها. فإستراتيجية زرع الرعب تجعل من الفكرة أسطورة تفعل فعلها بمعزل عن الواقع؛ ومن المعلوم أن محاربة الأسطورة أصعب من محاربة الواقع. ويصبح المطلوب بالتالي على الفرد أن يرتاب من نفسه ومن هواماته وخوافاته نفسها…..
أما فكرة الطابور الخامس، فلقد انتفت منذ اللحظة التي نجح فيها أوباما في الانتخابات التي أسهمت في زعزعة السلطة في إيران. فالنظام الإيراني كان متأقلماً مع وجود عدو خارجي طائش، لكن ما العمل تجاه حياد أوباما الفعلي؟
على المرشد أن يطرح بعض الأسئلة، وأن يتوقف طويلاً أمام تحول شعار «الموت لأميركا» إلى «الموت للديكتاتور»! فنتائج الانتخابات ليست مجرد عملية تزوير معلن، بل هي أنموذج للاحتقار الذي تكنّه السلطة للشعب الإيراني «النائبة عنه في ولاية مطلقة» تسحقه بسببها








