القبس- بقلم الجنرال وفيق السامرائي: تعكس التصريحات والممارسات الإيرانية، والإصرار المتزايد على تجاهل ردود الفعل حيال توجهاتها النووية، أهمية هذا البرنامج لاستراتيجية الدولة وتوجهاتها بعيدة الأمد. فلم يسبق أن كشفت قيادة دولة عن مراحل تطور برامج تثير قلق العالم، مثلما هي حال المسؤولين الإيرانيين. فقد حاولت ليبيا تصنيع سلاح نووي ولم تتحدث عنه من قريب أو بعيد، وأخفت باكستان صنع قنابلها النووية لمدة خمسة عشر عاما قبل إجراء تجارب علنية ردا على تجارب الهند. وحاول العراق إخفاء ما يمكن التستر عليه، وكونت إسرائيل ترسانة نووية كبيرة ولم تتحدث عنها، إلا عند اللزوم وهي مرات قليلة جدا.
بينما تقدم إيران كشوفا عن تزايد عدد أجهزة الطرد المركزي لديها مسجلة ارتفاع العدد نحو 50% خلال بضعة أشهر ليصل الى خمسة آلاف جهاز.
صحيح أن لدى إيران مشاريع توسعية وتوجهات عدوانية، حتى في زمن الشاه، إلا أن التجارب النووية الهندية هي التي دفعتها الى التوجهات النووية، بسبب المكابرة والغرور لدى القادة الإيرانيين، الى جانب الحرص على بلوغ التفوق العسكري الساحق.
في منتصف سبعينات القرن الماضي بدأ الشاه، وهو لا يقل عنصرية ومكابرة عن غيره من المتشددين في بلاده، يتجه جديا الى تصنيع سلاح نووي، بادئا بإرسال البعثات الى الخارج في المجالات الفيزيائية، وتوسيع دائرة المعاهد الفنية والعلمية في بلاده، وكانت هذه الخطوات مثار قلق لدى القيادة العراقية، التي أخذت تراقب كل شيء خصوصا المؤسسات الدراسية ذات الطابع الفني. وكانت دافعا رئيسيا للتوجهات النووية العراقية.
مفاعلات
اتفقت إيران مع شركات غربية على بناء مفاعلين رئيسيين، أحدهما في منطقة بوشهر على الخليج العربي. وقطعت شوطا كبيرا من إنجاز العمل فيه قبل نشوب حرب السنوات الثماني، التي أدت الى توقف العمل في هذه المنشأة الكبيرة تحت وطأة الضربات الجوية والصاروخية العراقية المتتالية، على الرغم من ضعف القدرات الفنية لقدرات الأسلحة العراقية المتاحة آنذاك، حيث كانت الطائرات معرضة لمجابهة الدفاعات الجوية الإيرانية من صواريخ وطائرات ومدفعية أكثر تقدما مما هي عليه الوسائل العراقية في المراحل الأولى من الحرب. كما أن العراق حاله حال الدول الأخرى في العالم الثالث، كانت صواريخه عمياء تجاه الأهداف التي تتطلب معالجتها دقة عالية في الوصول الى نقاط محددة في مؤسسات خاصة.
أما المفاعل الآخر فقد بوشر به في منطقة دارخوين على نهر الكارون – شمال مدينة المحمرة – وتمكنت القوات البرية العراقية من الوصول إليه وإخراجه من خارطة العمل.
ما بعد الحرب
لم تتخل إيران عن برامجها النووية بعد انتهاء حربها مع العراق، إلا أنها استفادت من تجارب تلك الحرب، في بناء مفاعلاتها في مناطق بعيدة عن حدودها الغربية والجنوبية الغربية، خصوصا في ولاية أصفهان، وسط إيران، وذلك لتأمين عمق لوسائل دفاعها الجوي، والعمل على إخفاء نشاطاتها خلال مراحل التكوين الأولى.
كما عملت بجد على إعادة العمل في منشأة بوشهر بدعوى مدنية المشروع لإنتاج طاقة سلمية. وتمكنت من إبرام عقود مع روسيا لهذا الغرض. وبقيت هذه المنشأة رمزا للبناء النووي العلني المغطى بالتوجهات المدنية، فيما عملت بسرية وجدية في منشآتها السرية للتسلح النووي.
الخبرة العلمية
بحكم الدراسات وتراكم المعرفة والتصميم على بلوغ الهدف، وجهت إيران نشاطات استخباراتية سرية لتوسيع نطاق المعرفة النووية، فأقامت علاقات مميزة مع كوريا الشمالية. وعملت على استغلال الثغرات في أمن البرامج النووية الباكستانية للحصول على المزيد من المعرفة، ولتوفير ما يمكن توفيره من المواد. والى جانب عمليات التهريب المنظم من اتجاهات ومفاصل مختلفة في العالم، تمكنت من قطع شوط كبير على طريق تصنيع سلاح نووي. وهي اليوم لم تعد بحاجة حاسمة للخبرة العلمية ولا للوسائل اللازمة لتصنيع قنبلتها النووية.
وسائل ناقلة
ما من شك أن مجرد الحصول على سلاح نووي يمثل طفرة كبيرة في المساعي الإيرانية لبناء قوة مدمرة. إلا أن المرحلة المتممة لمشروع كهذا تتجه الى وسائل إيصال أسلحة الدمار. ولما كانت القوات الجوية مرهونة بعوامل كثيرة تتطلب زمنا طويلا واختراقات يصعب بلوغها طبقا للطموح الإيراني، فقد بدأت بتحوير رؤوس الصواريخ التقليدية أرض – أرض ، لتكون قادرة على حمل مقذوفات نووية، ولم يكن هذا التطور الخطير بعيدا عن رصد وكالة الطاقة الذرية الدولية. وفي كل الحال فإن الخطر الرئيسي يكمن في قدرة إيران على تصنيع سلاح نووي، أما الوسائل الناقلة فتصبح مثار جدل وقلق كبيرين للعالم ، نظرا لسعة رقعة الاحتمالات.
الفاصلة الزمنية
كل من يتحدث عن حاجة إيران لفسحة طويلة من الوقت لبلوغ غايتها النووية يجافي الحقيقة. ففي حين كانت بعيدة عن تصنيع سلاح نووي، حرصت إيران أشد الحرص على إخفاء مشاريعها وتوجهاتها. وهي اليوم تعلن وتجاهر وتتباهى بما وصلت إليه من مراحل التطور بروح الغطرسة والتحدي. ولم تخف شيئا يدل على نواياها إلا أنها تصر على تحريم طابعها التسلحي. وهو ادعاء غير صادق ويمكن إصدار فتوى لاحقة معاكسة. وبالطبع فإنها تخفي كل شيء سري مهم عن وكالة الطاقة الذرية. ومن حيث المنطق، فعلى المحللين في أجهزة الاستخبارات توفير القناعة لأنفسهم ولمسؤوليهم بأن إيران قد أوشكت على إنتاج سلاح نووي، كي لا يقعوا فريسة التوقعات الخاطئة.
من المستهدف؟
ليس من الضرورة استخدام سلاح نووي من قبل إيران، إلا أن مجرد حصولها عليه يؤدي الى تماديها في نياتها التوسعية وتدخلاتها الإقليمية ويعظم غطرسة توجهاتها. وعندئذ تصبح دول الخليج العربية على رأس قائمة المتضررين بشدة من سلاح طهران النووي حتى من دون استخدامه، مع عدم إغفال حقيقة أن من ينتج أو يمتلك سلاحا ليس بعيدا عن نيات استخدامه وإلا ما كان ليحصل عليه.
فهل تأخذ الدول العربية حذرها وتسهم في منع إيران من بلوغ غايتها؟








