السياسة الكويتية-داودالبصري: مع السباق العنيف للزمن العراقي و قبل نهاية العام الحالي حيث الإستحقاقات القانونية المتعلقة بتنظيم وجود القوات الدولية في العراق يسابق النظام الإيراني الزمن من أجل إفشال كل الجهود العراقية التوافقية للوصول إلى حل بشأن إتفاقية سحب القوات الأميركية من العراق ( الإتفاقية الأمنية )! فلنظام طهران أوراق لعب كثيرة للغاية في الساحة العراقية , كما أنه يمتلك مساحات هائلة و غير محدودة للمناورة و الحركة على مختلف الأمواج الفكرية و السياسية في العراق وهي مرونة حركية يفتقدها الجانب الأميركي الذي وفر كل المعطيات للإدارة الإيرانية لأن تتضخم و تتصرف في العراق تصرفات إمبراطورية تعبر عن الطموح اللامحدود لحكام طهران ا
لذين حددوا منذ البداية العراق كساحة رئيسية من ساحات المواجهة مع الغرب , و قد نجحوا حتى الآن بإدارة الصراع نجاحا واضحا لا يحتاج لأي تعليق خصوصا و أن الأيادي الإيرانية منتشرة و موجودة في كل زاوية عراقية , كما أن إمكانيات الدولة الإيرانية وهي ضخمة قد كرست بالكامل لإنجاز و تحقيق مهمة نظام الولي الفقيه في العراق , فأي هزيمة إيرانية هناك تعني نقل الصراع و ملفاته للداخل الإيراني و هو الإحتمال المقلق للقيادة الإيرانية التي تمتلك خزيناً هائلاً من الخبرة الميدانية و جموع حاشدة وواسعة للغاية من المؤيدين و الأنصار و العاملين مباشرة أو وكالة لخدمة المشروع الإيراني الطموح , فالنصر الذي حققه الإيرانيون في العراق و إختراقهم الكبير هناك لا يعادله أي نصر في تاريخهم القريب ! , وقد تعلم نظام إيران الدرس جيدا و أستفاد إيما إستفادة من جرعة السم التي تجرعها بوقفه للحرب ضد العراق عام 1988 و تجميده مضطرا لمشروع تصدير الثورة لحين ميسرة! و هو ما تحقق بالفعل بعد عقدين من نهاية حرب الخليج الأولى التي لم تستطع أن تحسم كل ملفات الصراع بل كانت مجرد خطوة دموية كبرى في طريق الآلام الشرق أوسطية! ففشل النظام الإيراني في تحقيق هدف الوصول للقدس عبر كربلاء عام 1988 لم يكن ليخلق عقدة نفسية بقدر ما كان حافزا لتنظيم الصفوف و معاودة الكرة و إنتظار الفرصة السانحة وهو إنتظار لم يطل طويلا إذ أن حماقة نظام صدام البائد في غزوته الكويتية الحمقاء عام 1990 رسمت الخطوط الأولى للستراتيجية الإيرانية الجديدة , ثم جاء الإحتلال الأميركي للعراق و تهشيم الدولة العراقية و بيعها في المزاد العلني ليكون فرصة العمر التاريخية التي إنتظرتها طهران طويلا و تحققت على يد أشهر أعدائها و هو "الشيطان الأكبر"!! أي الولايات المتحدة التي تحولت في لحظة مفاجئة تاريخية لا تتكرر طويلا إلى جار مباشر لإيران في واحدة من أغرب مفاجآت الديبلوماسية و الحرب الدولية , وهذا الجوار لم يكن مصدرا حقيقيا للقلق الإيراني بقدر ماكان نصرا ستراتيجيا إيرانيا تحقق بأبخس الأثمان ! فبدماء الجنود الأميركيين أمكن التخلص من أعداء النظام الإيراني بضربة واحدة ليستغل النظام خزينه الستراتيجي المضموم وهم الجماعات السياسية و الطائفية المتعاونة مع النظام الإيراني و بعضها له ولاء تاريخي لا ينفصم الذين تحولوا إلى حكام للعراق الجديد أو لأبرز القوى السياسية الفاعلة هناك! و غني عن الذكر إن أجهزة المخابرات الإيرانية التي تمتلك خبرة واسعة بالتشكيلات السياسية العسكرية العراقية ذات الخلفيات الدينية و الطائفية لم تعتمد بالمطلق على ولاء و جهود الجماعات القديمة التي رعتها و دعمتها و دربتها و إستعانت بها خلال الحرب مع العراق , بل تمددت لتكتسح مواقع طائفية جديدة و لتركب الموجة الشعبية الهائجة في العراق و تسللت للتيار الصدري ذاته الذي يدعي مقاومته و معارضته للنفوذ الإيراني و لرجاله , فإذا بهذا التيار يتحول حصان طروادة إيراني في العراق بعد المواجهة بينه و بين الأحزاب الشيعية الأخرى و خصوصا من جماعتي "الدعوة" و "المجلس الإيراني الأعلى" بعد معارك "صولة الفرسان" في الربيع الماضي في البصرة و التي أدت لتقليم أظافر ذلك التيار و هرب قادته لإيران و على رأسهم زعيمهم "مقتدى الصدر" ذاته الذي قيل أنه يتابع الدراسة الحوزوية العليا في مدينة "قم" الإيرانية ليكون مرجعا كبيرا خلال الاشهر القادمة و ليمتلك المجد من نواصيه المختلفة , حيث سؤدد الفرس و علوم الحوزة القمية رغم أن حوزة النجف العراقية هي أم الحوزات العلمية للفقه الإسلامي الشيعي إلا أن لتصاريف السياسة و السلطة رأي آخر مخالف! فتنصيب مقتدى الصدر كمرجع أعلى و كمغت مقدس و كمرجعية محترمة هي واحدة من أهم الخطوات الإيرانية لزرع الشقاق و الإنقسام بين الجماعات الشيعية في العراق و بما يجعل من العراق بأسره شعلة دائمة من التوتر و النيران المخبوءة في النفوس و تحت الرمال , فالإيرانيون كما هو واضح حاليا ينظرون إلى جميع فرقاء الصراع الطائفي العراقي نظرة واحدة محورها المصالح القومية للنظام الإيراني فقط لا غير! ونظام إيران على إستعداد تام للتضحية بأي رأس أو عمامة مهما كان قدرها و مكانتها إن تعارضت مع المصالح الإيرانية! و الشواهد قريبة وواضحة و لا حاجة للإفاضة في هذا المجال , فالإيرانيون في البداية و النهاية لا تهمهم مصلحة شيعة العراق و لا سنته و لا أي مكون من مكوناته بل أنهم يسعون لرشوة الجميع لتحقيق المصلحة الستراتيجية الإيرانية العليا , وهم يلعبون اللعبة السياسية و الإستخبارية وفق برنامج واسع و طموح وبطريقة أستغلت فيها كل نقاط الضعف العراقية و ثقوبها القاتلة , فحرق العراق تحت يافطة منع التوقيع على الإتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة و إستغلال الجماعات الشيعية ذاتها في تمزيق الشارع الشيعي و بما ينعكس بشكل سلبي على الحالة العراقية العامة يظل هدفا إيرانيا مقدسا , لا أحد يحب السياسة الإحتلالية لأي طرف , و لا يوجد من يرضى بالذل و الهوان , و لكن الخروج من عتمة المأزق الحالي يتطلب خيارات مؤلمة لا محيص عنها و لا بديل , فهل تستطيع القوى الدينية و الطائفية العراقية السائدة حاليا الخروج من الشرنقة الإيرانية الإفعوانية الرقطاء و إنتهاج سياسة وطنية عراقية محضة ? أم أن إحتياطي النظام الإيراني من القوى السياسية العراقية و الذي توسع كثيرا سيكون الوقود الجاهز لحرق العراق ? مقتدى الصدر ليس سوى برغي صغير في آلة إرهابية إيرانية أخطبوطية و بات وجود العراق كدولة مرتبط للأسف بـ "زعاطيط" طائفية و عمائم عميلة و تنظيمات هزلية أضحت العنوان الواسع للكارثة العراقية المتجددة عبر العصور !
كاتب عراقي








