ایلاف – راغدة درغام راغدة درغام: تُطوَّق مشاريع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في العراق ولبنان وسوريا واليمن لدرجة يجب أن تجعل قادتها يخافون، ويخافون كثيراً. في سوريا تم تطويق المشروع الإيراني عبر صفقة أميركية –تركية – غمزت روسيا موافِقةً عليها – أدّت عملياً الى قطع الطريق على الممر الذي أرادته طهران أساساً لاستراتيجية الهلال الفارسي الذي يربطها بالبحر المتوسط عبر الامتداد في العراق وسوريا ولبنان. في العراق هناك نقمة شيعية على تمادي إيران في العراق وصلت درجة رفع شعارات “إيران برّا، برّا” واجهها بلطجيّة “الحشد الشعبي” – المدعومين من “الحرس الثوري” في طهران – بإطلاق النار على المتظاهرين المدنيين في كربلاء، عقر دار علماء شيعة العراق. في لبنان،
سقط الخوف من “حزب الله” وسقطت حكومته –حكومة التسوية – وسقط إصبع التهديد الشهير الذي اعتاد من يهزّه أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، لحشد الانصياع له والرعب منه. فارتجفت طهران. ثم زاد اليمن من توسيع رقعة المأزق الإيراني الناتج عن التوسّع خارج الحدود الذي يعتمده أركان القيادة في طهران أساساً لمنطق النظام الحاكم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ذلك ان استراتيجية الخروج من حرب اليمن لكل من السعودية والإمارات بدأت تثمر وبات أمام الحوثيين خيار لم يكن متاحاً في السابق، وهو خيار الانتماء الى اليمن عبر الفيدرالية بدلاً من التشوّق الى طهران عبر حرب بائسة وأموال جفّت بسبب العقوبات الأميركية.
ماذا ستفعل القيادات الإيرانية أمام هذا التطويق ليس معروفاً، لكن خياراتها صعبة إذا أصرّت على رفض تعديل وتطويع وإصلاح منطق النظام التوسّعي. لعلّ ما تبقّى أمام هذه القيادات هو الرهان على عدم حصول دونالد ترامب على ولاية رئاسية ثانية. وهذا فعلاً بات وارداً الآن بسبب استفحال الاعتباطيّة لدى ترامب مما أدى الى نفاذ صبر الأكثرية الأميركية سيما أمام استهتاره بقواعد الحكم والدستور الأميركي. إنما حتى وإذا لم يحصل دونالد ترامب على ولاية ثانية، لقد وضعت المؤسسة العسكرية والمدنية سياسة واضحة نحو الجمهورية الإسلامية الإيرانية قوامها الردع عسكرياً detterranceعسكرياً وممارسة أقصى الضغوط الاقتصادية عبر العقوبات، والتأهب لإجراءات إذا اقتضت الضرورة، والإصرار على عدم الانجرار الى الحرب. هذه سياسة ستبقى ثابتة ما لم تتحرّش إيران أو أحد أذرعتها بالقوات الأميركية في الشرق الأوسط، فتستدرج الرد عليها عسكرياً، وما لم تنفّذ توعّداتها بالخروج من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية NPT، فتواجه إجراءات نوعية. هذه سياسة الولايات المتحدة الأميركية وليست مجرد سياسة دونالد ترامب.
الجنرال كينيث ماكنزي، قائد قوات CENTCOM القيادة المركزية الأميركية، تحدّث الأسبوع الماضي أمام مؤتمر المجلس الوطني للعلاقات الأميركية – العربية في واشنطن NCUSARوأوضح أن إيران هي إحدى الأولويّات لكنها لا تقترب من أولوية الصين وروسيا في الحسابات الأميركية الاستراتيجية والتي تبقى أولوية قاطعة. حذّر من الانطباع الخاطئ والحسابات الخاطئة فيما يتعلق بتواجد، أو انسحاب، القوات الأميركية من منطقة الشرق الأوسط والخليج، وقال ان إيران تبقى تحت المراقبة. تحدّث عن معادلة “الردع بدون الاستفزاز” كتحدٍّ مهم في الحسابات الأميركية نحو إيران، وتكلّم عن استراتيجية أميركية بعيدة المدى تضع الصين وروسيا في الطليعة، وليس الاستفزاز أو الابتزاز الإيراني.
هذا يعني فشل خُطط بعض القيادات الإيرانية التي تعمل نحو استدراج عمل عسكري أميركي ضد إيران بهدف تحويل الأنظار عن الوضع الداخلي الرديء والمتفجّر. الولايات المتحدة لن تلبّي الدعوة الى فك الطوق عن القيادة في طهران عبر التورّط في حرب مع إيران. فإذا أوقعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية نفسها في ورطة ومأزق ومطبّ بسبب سياساتها الداخلية أو بسبب العقوبات الأميركية، فهذه ورطتها ومأزقها ومطبّها. وإذا طوّقت نفسها بسبب سياساتها الإقليميّة التوسعيّة واعتمادها أساليب إنشاء القوات غير النظامية أو الميليشيات التابعة لطهران في دول سيادية، ان ما فعلته عمليّاً هو تطويق نفسها وأذرعتها. ذلك أن في منطق النظام خللٌ رهيب لا يمكن المضي به في هذا الزمن، زمن الأجيال الواعية.
جيل “زي” Z، كما يسمّى، هو الذي يصنع المستقبل في لبنان، على سبيل المثال، حيث “حزب الله” تحكّم بالأجيال التي سبقته. لكن جيل “الواي” Y، أي “جيل الألفية” الذي كان مُحبطاً استفاق لدعم الجيل الجديد. كما ان أهالي الجيلين، أي جيل Baby Boomers الذين أكثروا الإنجاب، وقفوا هذه المرة مع جيليّ Z وYفي ساحات الاحتجاج، وساروا في المظاهرات، ووقفوا في وجه الاستفزازات، وقالوا لأولاد الثورة: سيروا، نحن معكم. وهكذا أفشلوا مشاريع طبقة الفساد التي اعتادت على أنماط الاحتواء وراهنت على إخماد الثورات كما جرت العادة.
جيل الشباب في لبنان والعراق، بدعم من الأمهات والجدّات وكذلك الأطفال، هو جيل الانتصار على الخوف والانصياع. انه ينتفض على الفساد في داره وعلى طبقة سياسيّة ظنّت بغباءٍ قاطع ان امتيازاتها هي تأشيرة للجشع ولتوطيد نظام الفساد. ينتفض أيضاً على افتراضٍ ووعدٍ قطعه أرباب النظام في طهران قبل 40 سنة بأن في وسعهم التحكّم في أحلام الأجيال العربية بواسطة الطائفية والتخويف وقمع الحرّيّات وعبر سلاح الجيوش غير النظاميّة التابعة لطهران.








