السياسه-داودالبصري:ما أن تخبو نيران ملف , حتى تشتعل نيران ملفات ! و ما أن يهدأ موضوع و تهدأ جبهة حتى تفتح مواضيع و جبهات عديدة , فمع إشتداد أزمة معاناة الشعب العراقي من الجراثيم المستوردة و المحلية , ومع تردي الخدمات الحياتية وتزايد مسلسل الهروب الشعبي الشامل نحوالجحيم, وإنتشار الكوليرا المعوية والطائفية , ومع تزايد صراع الأحزاب الطائفية والعنصرية على المناصب والولايات, وإشتباك الجيش العراقي مع قوات "البيشمركة" الكردية, ودخول التوتر الشديد في أقصى مدياته وإحتمالاته ومع تكشير الجندرمة التركية لأسنانها,
والتي قد تقضم بها جزءا من الشمال العراقي على خلفية الصراع التركي مع الجماعات الكردية المعارضة , فإن شمال العراق قد دخل في أزمة جديدة رغم أنها ليست مستحدثة, وهي هجمة الإبادة الجماعية للطائفة المسيحية في العراق والتي لها في العراق وجود وجذور وحضور يتناسب تماما والتاريخ الحضاري العريق لذلك البلد المبتلي بتاريخه, كما هومبتلي بحاضره وطوائفه وأقلياته , الهجوم ضد الإخوة المسيحيين, هو تجاوز وقح على كل الثوابت الوطنية وهو إرهاب أسود تشترك فيه قطاعات وجماعات عديدة ليس بالضرورة أن تكون "قاعدية" أوسلفية! بل أن كل القوى المتصارعة في العراق اليوم تحاول لي ذراع الآخر وفرض منطق القوة, وتغيير الوقائع الديموغرافية المألوفة والمعروفة للخارطة الشعبية العراقية كجزء من سيناريو التقسيم العراقي المزمع تحقيقه ,والذي تعمل عليه ومن أجله قوى عديدة تتشابك فيها كل الخيوط والأفكار والتوجهات والآراء . الهجمة ضد المسيحيين تعني أساسا الهجمة ضد الشعب العراقي بأسره, وضد أهم مكوناته الحضارية, وضد صيغة التعايش التي تعلمناها منذ نعومة أظافرنا نحن الجيل الذي لم يتأثر بالأفكار الطائفية والدينية المتعصبة, وفكر الخرافة والأساطير والتكفير على يد قوى صعدت للسلطة في غفلة من الزمن الأغبر , وأتذكر جيدا إننا في مرحلة الستينات والسبعينات, وخلال مراحل الدراسة الأولى, كنا ندرس سوية مع زملاء لنا كانوا من الديانة المسيحية, ولم نكن نفرق بيننا وبينهم, أونضع الحواجز النفسية والسلوكية, أونستهجن ذهابهم للكنائس في الأعياد والأعراس والمناسبات الإجتماعية الأخرى , ما زلت أتذكر حتى اليوم زملائي وأصدقائي صباح قرياقوس وفؤاد ونيقا حنا جرجس وغيرهم الكثير "الكثير من الذين كنا نزور كنائسهم, والتي كانت بالمناسبة مجاورة تماما لمساجدنا في مدينة البصرة القديمة , كنا نطرب لصوت المؤذن ولا ننزعج من صوت الناقوس وكنا نتفرج في الأعياد على الفتيات المسيحيات الجميلات وهن يدخلن الكنيسة بأبهى حلة , لقد كانت أيام رائعة, وسنوات حافلة للبراءة الوطنية والممارسة السلوكية الحضارية , لقد كان صديقي المسيحي فؤاد يفضل على الدوام حضور درس التربية الإسلامية, وكان المسيحيون معفيون من حضوره, ولكنه كان يصر على حضور الدرس من أجل العلم والثقافة ومعرفة كيف يفكر أصدقائه, وكان يقول على الدوام إنني مسيحي نعم, ولكن الإسلام هوثقافتنا العامة , ولا أتذكر أبدا أنه قد حصل أي إلتباس أوسوء فهم بيننا كمسلمين وبين أصدقائنا وزملائنا المسيحيين , فقد كان الصراع الداخلي وقتها صراعا وطنيا بين المعارضة الوطنية الحرة وبين النظام المستبد الرافض لحرية الأحزاب والأفكار والتوجهات , وأتذكر في منتصف السبعينات أنه قد حدثت هجرة كبيرة للمسيحيين العراقيين نحوالولايات المتحدة بسبب ضيق العيش في العراق بسبب القوانين الإشتراكية, وليس بسبب التضييق الديني , والمسيحيون العراقيون بإعتبارهم عنصرا عراقيا أصيلا ساهموا أبدع مساهمة في الحياة السياسية والحضارية والعلمية في العراق , لقد كان الزعيم المؤسس للحزب الشيوعي العراقي "فهد" أو يوسف سلمان يوسف مسيحي الديانة! وكان أبرز طبيب في البصرة مسيحي الديانة وهوالدكتور يوسف عبد الله , وكان العراق عراقهم كما هوعراق السني والشيعي والصابئي وحتى اليهودي سابقا, ومختلف الملل والنحل , وما يحصل اليوم للأسف هووصمة عار في جبيننا جميعا, وهي مؤشر خطر على تآكل المجتمع العراقي وتدهور القيم الحضارية وسيادة الإرهاب الأسود , العراق اليوم بحاجة لوصفة إنقاذ سريعة تعيد لحمته الوطنية, وتبعد شبح التمزق الطائفي والديني, وذلك لن يكون إلا بنبذ الطائفية والتعصب الديني والمذهبي الأهوج , وهي مهمة صعبة في ليل الطائفية الحالك … وكان الله في عون الأحرار.
* كاتب عراق








