
السياسة الكويتيه – سعاد عزيز: رافقت الثورة الايرانية أحداث عدة وتطورات ملفتة للنظر بحيث ألقت بظلالها وتأثيراتها على دول المنطقة و العالم، وكان من أهمها و أكثرها خطورة تأسيس الحرس الثوري الايراني،
وقد تم تحديد واجبات ومهمات هذا الجهاز المتكون من أفراد موالين للنظام ومؤمنين بمبادئه الى أبعد حد، بحماية مبادئ النظام والدفاع عنه ويتصدى بخاصة لكل القوى التي تهدد النظام وهو يتميز عن الجيش الايراني بكونه الاقرب لدوائر القرار السياسي في إيران ولاسيما المرشد الاعلى الايراني، لكن وبعد مرور فترة قصيرة نسبيا، بدأت الصورة تتغير بشأن واجبات ومهمات هذا الجهاز، خصوصا بعد أن تم تسريب معلومات حساسة عن وجود علاقة بين أجنحة من الحرس الثوري وقوى وشخصيات دينية متطرفة في بلدان المنطقة.
الحرس الثوري الذي اسس في بداية الثورة قسما خاصا أطلق عليه «حركات التحرر»، وبدأ النظام الجديد من خلال هذا القسم بالاتصالات مع الجماعات والمنظمات المتطرفة في المنطقة وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن «جماعة الجهاد الاسلامي»، التي اغتالت الرئيس المصري الاسبق أنور السادات، كانت لها علاقة مع هذا القسم، وقد وردت في رسالة بعثها مهدي الهاشمي، مسؤول هذا القسم الى آية الله المنتظري الذي كان وقتئذ نائبا للخميني يتحدث عن هذه العلاقة قائلا: «العلاقة مع هذه الجماعة «يقصد الجهاد الاسلامي»،
بدأت في احد اللقاءات التي كانت لنا مع حضرة الامام وسماحته قال في جمع من مجالس قيادة الحرس الثوري: «بخصوص تصدير الثورة يجب أن تتحوطوا من ذلك كثيرا كي لاتتأثر سمعة الجمهورية الاسلامية، لكن في اي زاوية من العالم إذا مارأيتم في أي بلد طاغوتا من الممكن إسقاطه فإفعلوا ذلك»، وهنا يجب أن نستدرك أن الخميني ورجال الدين المتنفذين في إيران، كانوا ينظرون الى زعماء العالم الاسلامي على انهم من «غاصبي السلطة»، وان قتلهم مباح شرعا، ويستطرد هاشمي بعد إيراد فتوى الخميني بالعمل على إسقاط أي طاغوت في أي مكان من العالم فيما لو كان هنالك مجال او إمكانية لذلك، قائلا: «ولذلك، وقبل قتل السادات، إرتبطنا بهؤلاء الاخوة وكنا على إطلاع وعلم بقرارهم»إي قرار إغتيال السادات»، وارسلنا لهم مبالغ من المال لكننا تعجبنا من إمتناع هؤلاء الاعزاء عندما ارجعوا الاموال وطلبوا منا فقط ان يدعو لهم حضرة الامام بالموفقية»،
وقد اوردت هذا المثال والنموذج المهم لأكثر من سبب و دافع أذكر أهمها:
ـ إن هذه العلاقة قد تم توطيدها في بدايات الثورة الايرانية، بمعنى إن التحركات والنشاطات الخاصة الايرانية ضد المنطقة بدأت في وقت مبكر جدا.
ـ نشاط وتحرك الحرس الثوري ومن خلفه النظام القائم، لم يكن محددا بالطائفة الشيعية وانما الطائفة السنية أيضا.
ـ تم التحرك على بلد كمصر التي بالاضافة الى دورها الريادي في المنطقة فإن فيها الازهر الشريف، وهذا مايدل على إن المخطط الايراني الذي يستهدف المنطقة له أهداف و مرام أبعد بكثير من الذي يمكن تصوره.
ـ حالة التكتم والسرية التي أوصى بها الخميني، وهي لازالت مستمرة، والملفت للنظر إن إيران ترفض الاعتراف حتى بالحقائق الدامغة و تتهرب منها ظنا انها ستتمكن من خلال ذلك طمس الحقيقة أو إخفائها.
عملية إغتيال السادات التي جرت في العام 1981، تبعتها مجموعة نشاطات وعمليات تخريبية وإرهابية محمومة أخرى إستهدفت الكويت ولبنان والسعودية وغيرها وكانت البصمة الايرانية واضحة المعالم في جميعها ولاسيما ضد السعودية التي صارت هدفا إستثنائيا لايران ولم تكن أعمال الفتنة والفوضى في مواسم الحج إلا خطوة على الطريق والنهج المشبوه هذا، لكن وجريا على النهج الخاص بهذا النظام فقد رفضوا الاعتراف بذلك رغم إن كل الادلة تدينهم، لكن رغم الضجة التي أثيرت حول الدور الايراني المشبوه في المنطقة و التورط في نشاطات إرهابية، لم تتراجع إيران عن نشاطاتها و تحركاتها التي ينفذها الحرس الثوري، بل وإنها قامت عوضا عن ذلك بتأسيس»فيلق القدس» الخاص بنشاطات الحرس الثوري خارج إيران، بمعنى إن نشاط الحرس الثوري قد إكتسب بعدا رسميا رغم إن تأسيس هذا الفيلق و تخصصه بالنشاط الخارجي لم يكن بمعزل عن دستور نظام ولاية الفقيه الذي نصت المواد»3 و 11 و 154» منه و بصورة واضحة على إباحة التدخلات الخارجية لإيران في الشؤون الداخلية لدول المنطقة تحت مزاعم»الوحدة الاسلامية» و «نصرة المستضعفين»، وقد وصل الامر في الاعوام اللاحقة الى حد أنه قد تم إطلاق تسمية» الحاكم المطلق للعراق وسورية ولبنان»، على الجنرال قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس»، بعد أن صار تواجد الحرس الثوري في هذه البلدان أمرا واقعا وصار سليماني نفسه يتنقل بينها وكأنه يذهب من محافظة إيرانية لأخرى!
وصول النفوذ الايراني لليمن وتدفق الاسلحة التي يرسلها الحرس الثوري بطرق مختلفة الى جماعة الحوثي، فتح صفحة حساسة وبالغة الخطورة ولاسيما عندما بدأ الحرس الثوري بإرسال الصواريخ لهذه الجماعة والتي إستهدفت بها السعودية وقد كان أمرا مثيرا للغضب والسخط عندما بادرت هذه الجماعة الى إستهداف الكعبة المشرفة بصاروخ ولكن العناية الالهية ويقظة الجيش السعودي أفشلت ذلك، لكن الاهم والاخطر من ذلك جميعا، هو إن قادة ومسؤولين إيرانيين قد تفاخروا بإرسالهم الصواريخ لجماعة الحوثي، وهو مايعني الكثير ويدل على حقيقة ساطعة لامجال لإخفائها والتستر عليها وهي ان بلدان المنطقة صارت أهدافا للحرس الثوري وبصورة مكشوفة، وهذا مايعني أن الحرس الثوري الايراني ليس كجيش نظامي إيراني ينحصر عمله ونشاطاته داخل الاراضي الايرانية بل إنه أشبه مايكون بميليشيات عسكرية خاصة لها هدفين أساسيين هما: قمع معارضة الشعب الايراني وبسط النفوذ والهيمنة على بلدان المنطقة، وإن التصريح الاخير الذي أطلقه الملك سلمان بن عبدالعزيز من موسكو والذي طالب فيه بتصريح مهم أكد فيه أن «تحقيق السلام والاستقرار في منطقة الخليج والشرق الاوسط وماتشهده من أزمات في اليمن وسورية وغيرها يتطلب توقف إيران عن سياساتها التوسعية والالتزام بمبادئ حسن الجوار واحترام الاعراف والقوانين الدولية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى.»،
ذلك إن كل الذي يجري في هذه البلدان كان ولايزال عن طريق الحرس الثوري وتحديدا عن طريق»فيلق القدس»التابع لها بقيادة قاسم سليماني المطلوب دوليا كإرهابي، غير إن هناك ملاحظة مهمة جدا بشأن إطلاق هذا التصريح من جانب خادم الحرمين الشريفين وهي إنه قد تزامن مع ما أكده البيت الابيض يوم الجمعة الماضي من إن الرئيس الاميركي سيعلن عن ردود فعل أميركية جديدة على إختبارات إيران الصاروخية ودعمها للإرهاب وهجماتها الالكترونية في إطار ستراتيجية جديدة للتعامل مع إيران. وإن احتمال اعتبار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحرس الثوري كجهاز إرهابي صار واردا خصوصا بعد التصريحات الغاضبة التي تم إطلاقها من طهران ضد ذلك، والحق إن جهاز الحرس الثوري كان ولايزال وسيبقى أهم وأخطر جهاز إرهابي داعم وممول وموجه للإرهاب في العالم كله.
كاتبة جزائرية








