النهار اللبنانية – علي حماده : مثلما المسافات الزمنية تتقلص، تتقلص الهوامش السياسية هي الاخرى، في ظل واقع لبناني راهن يفيد بأن الاحداث ستتسارع في الايام لا بل في الساعات المقبلة التي تفصلنا عن موعد انتهاء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد. فالمبادرة الفرنسية المبنية اساساً على فكرة اختصار المسافات السياسية بواسطة المرجعية الروحية المارونية العليا، لا يبدو حتى اللحظة انها نالت تأشيرة العبور من القوة المعوقة للحل في الخارج، والتي تعكس قراراتها مواقف
جماعاتها المحلية. والسؤال الذي يتبادر الى الاذهان في هذه اللحظة بالتحديد هو: هل تملك باريس معلومات لا يملكها اللبنانيون في شأن تحولات يمكن ان تشهدها سياسات العرقلة القائمة؟
وسط حالة الغموض الكبير التي ترتسم في افق الاستحقاق الرئاسي، يمكن القول ان كل الاشارات حتى الآن تفيد بأن الاستحقاق لن يتم في المهلة الدستورية. وقد يكون هذا الامر انعكاساً للموقف الفعلي للقوى الخارجية المعرقلة التي لم تدخل اي تعديل على تقويمها للمعركة في لبنان. فالنظام في سوريا لا يزال اسير اقتناع بأنه بات من الممكن تصور تحقيق انتصار "على الارض" يعيد خلط الاوراق كلها، فتتحول الاكثرية اقلية واقعة تحت سيطرة الاقلية المدججة بالسلاح. فالانقلاب خيار قائم استناداً الى ان طهران ودمشق تؤثران لعبة السيطرة على الارض على غرار غزة، فيكون النجاح في فرض امر واقع جديد على المسرح اللبناني ورقة اضافية يجري ضمها الى مجموعة اوراق يحاول الطرفان الاقليميان تجميعها بأي ثمن وفي سرعة، بناء على اعتقاد ان هوامش الاميركيين باتت ضيقة مع دخول الادارة عامها الاخير، وكذلك وضع الاوروبيين المتحفظين على الدوام. ومعلوم ان المجتمع الدولي لم يبد حتى اليوم اي استعداد للذهاب في الدفاع عن الاستقلال اللبناني والنظام الديموقراطي المهدد فيه الى حد تهديد النظام السوري في وجوده ومصيره. وبما ان المجتمع الدولي، مدفوعاً ربما بخيار اسرائيلي واضح يميل الى المحافظة على نظام الاسد، لم يتخذ قراراً كبيراً يضع النظام في لبنان وسلامة استقلاله في موازاة بقاء النظام في سوريا، فإن بشار الاسد ومعه الايرانيون سيواصلون الرهان على تعب ذلك المجتمع، وخوفه من الغرق في رمال الشرق المتحركة. كما يبقى بشار الاسد يشعر ان هوامشه واسعة بما يمكنه من استهداف لبنان الاستقلال، بالطريقة التقليدية نفسها التي نفذها والده حافظ الاسد قبل اكثر من ثلاثة عقود، اي باستخدام مطايا لبنانية وفلسطينية جلّ ما يهمها كسب معركة سلطة محلية، وتكسير كل شيء يعترض طريقها، وان كان يصيب مصالح اللبنانيين جميعاً.
وهنا يطفو على السطح في الازمة الراهنة عامل "حزب ولاية الفقيه" الذي يتميز عن سائر المطايا السورية والايرانية الاخرى، بكونه يعمل على اقامة مجتمع آخر على هامش المجتمع اللبناني، فمن المهد الى اللحد يجري ضبط حياة مئات آلاف الناس من بيئة واحدة، يجري اقتلاعهم من قلب نظام المصالح اللبناني (اللهم في ما عدا الشفط المستمر لمال مؤسسات الدولة) كي يمكن دفعهم في سهولة نحو فعل اي شيء من دون ان يشعروا بأن مصالحهم الحياتية او الاقتصادية او الثقافية مهددة من جراء القيام بهذه الاعمال. ولنا في ذلك مثال حي في احتلال قلب بيروت المتنوّع الذي يضر بمصالح لبنان بأسره، في حين ان جمهور "حزب ولاية الفقيه" لا يشعر بأي ضيق او حرج، لا بل تتملكه لذة نشر العدم التي لم نشهد لها مثيلاً حتى في احلك ايام الحرب الاهلية بين 1975 و1990.
ان مشكلة لبنان الراهنة معلقة بمدى قوة ردع المجتمع الدولي للنظام السوري بوسائل غير تقليدية، وفي المستوى الداخلي باستفاقة بعض القوى والمجموعات اللبنانية الغائبة عن الوعي تماماً، ومسارعتها الى التخلص من حال التبعية في تحالف مع حزب مناقض في ذاته للبنان نظاماً وكياناً.








