ايلاف – عزيز الحاج: في 2010 فازت كتلة الدكتور علاوي في الانتخابات النيابية. في حينه، وكما يعلم الجميع، شككت كتلة المالكي في نزاهة الانتخابات ووجهت الاتهامات حتى للاجئين الإيرانيين المعزولين والمحاصرين في معسكر أشرف متهمة إياهم بالتدخل لتزوير الانتخابات!! وكانت نكتة الموسم. ثم أصر المالكي على التعداد اليدوي بدلا من الحاسوب، فكانت النتائج هي نفسها. وهنا تفتقت القريحة الإيرانية عن بدعة أن رئاسة مجلس الوزراء هي للكتلة البرلمانية الأكبر التي تتشكل بعد الانتخابات، أي لا للكتلة الفائزة في الانتخابات والتي جمعت أكثر الأصوات.
أما اليوم، فقد نسي ” القانونيون” ما قالوه بالأمس، وراح زعيمهم يصر على أحقية الدورة الرئاسية الثالثة لأن كتلته حصدت في الانتخابات أكثر الأصوات. وقد صرح للتو بأنه صاحب الحق ولا يقبل شروطا. فهل للسيد المالكي أن يفسر هذا المنطق الانتخابي المزدوج ما بين 2010 و2014 ؟؟ .
إن هذا التشبث، وبرغم معارضة سياسية واسعة لولاية المالكي الثالثة، يثبت أن أهل ” القانون” هم منفصمون كل الانفصام عن القيم والمعاير والمبادئ الديمقراطية، وأن التشبث بالسلطة- ومهما كانت العواقب- هو ما يحركهم تطبيقا لمقولة المالكي الشهيرة ” أخذناها ولا نعطيها”…
إن سقوط الموصل وما تلاه من أحداث خطيرة لا يزال بحاجة ماسة لتفسيرات وإجابات منطقية وواقعية لا تكتفي باتهام هذا الجنرال أو ذاك. السيد رئيس إقليم كردستان يصرح علنا أمام برلمان الإقليم بانه كان قد ابلغ المالكي قبل ستة شهور من سقوط الموصل بخطورة الوضع هناك، وكان جواب المالكي [ كما يروي بارزاني] ما يلي: ” اهتموا بكردستان ودعوا العراق لنا”! والسيد محافظ الموصل يصرح وينشر أنه كان يبعث برسائل متتالية للمالكي عن خطورة الوضع في المدينة ونشاط الداعشيين وابتزازهم للناس، وعن فساد فريق من كبار الضباط، ولكن المالكي لم يكن يولي رسائله اهتماما. والرواية هي للسيد أثيل النجيفي. أما السيد رئيس مجلس الوزراء، قإنه لا يقدم من تفسيرات سوى تخاذل أو تآمر بعض كبار الضباط كأنه كان يجهل تماما ما يجري في الموصل. ولو صحت روايات الأخ مسعود والسيد أثيل، فلماذا كانت لا مبالاة الحكومة الاتحادية وتركها للأمور أن تتطور ولحد وقوع الكارثة؟؟!!!! ولكي يزكي مواقف الحكومة يأتينا وإعلامه بنظريات متعددة عن مؤامرة كبرى كانت وراء اختراقات داعش وسيطرته السريعة على مدن هامة. والواقع، وكا كتبنا في مقال سابق، فإن تنظيم داعش قدم خدمة كبرى لدعاة الرئاسة الثالثة يحيث راحوا يطرحون التالي: الخيار العراقي اليوم هو إما داعش أو المالكي، كما حدث في سوريا ” إما الأسد أو داعش”.
كان الواجب الوطني يقضي بأن يعترف المالكي بأخطاء وعواقب سياساته الطائفية وتفجيره للخصومات السياسية والعرقية، وأن يترك الساحة لحكومة إنقاذ وطني، فيكون قد قدم خدمة تاريخية للعراق وشعب العراق. غير أن ما يحدث هو المزيد من التشبث والإصرار على تأجيج الخصومات ولاسيما مع إقليم كردستان ورئيس حكومته. ومن يتابع سلسلة الاستفزازات التي تعرض لها الإقليم والكورد عموما على مدى سنوات، وتجميد تطبيق المادة 140 من الدستور حول كركوك، والتهديدات الموجهة للأكراد من وقت لآخر، ليأخذه العجب من أن هؤلاء لم يتعلموا شيئا من التجارب الماضية والقاسية. نتذكر مثلا ما حدث قبل حوالي عامين حين قام بعض زعماء عشائر الإسناد المالكية بتهديد أكراد بغداد ومطالبتهم بترك العاصمة حالا. ونتذكر هتافات المالكي نفسه عند مقتل الصحفي المرحوم بديوي بعد شجار مع عسكري كردي: “الدم بالدم.. أنا ولي الدم”. وفي الجلسة البرلمانية الأخيرة الطارئة والفاشلة يقوم نائب من أنصار المالكي بتوجيه الشتائم لرئيس إقليم كردستان وبتهديد النائبات والنواب الكورد يقوله” انتظروا لتروا ماذا سنفعل بكم”..ونسمع منه اتهام الكورد بتهريب النفط لإسرائيل، وهي نهمة جديدة وطارئة. ولو صحت، فلماذا الصمت عنها لحد اليوم.؟؟ وبالطبع فلا حديث عن تهريب النفط جنوبا لإيران منذ سقوط صدام وسطوها على نفط مجنون واحتلالها المؤقت لقسم من فكة النفطية. فإيران دولة صديقة، كما يقول المالكي لكيري، وإن نهبها للنفط وتدخلها العسكري بحجة محاربة الإرهاب أمر طبيعي ومشروع. ونسمع من النائب القانوني إياه ان رئيس الإقليم عميل وخائن. ولكن لماذا كان المالكي يحتمي بالخونة في كردستان خلال المعارضة؟ ولماذا ذهب لأربيل عام 2010 ليوقع على اتفاق لم يحترمه، بل رماه أرضا؟
الواضح أن المالكي يعشق خلق الخصومات وتأجيجها بدلا من عقلية ونهج التهدئة والوفاق. وكان واضحا من مواقفه خلال اعتصامات مواطني المناطق الغربية أنه كان يتمنى لو دفعتهم سياساته القمعية والطائفية إلى التطرف وحمل السلاح ليشوه حركتهم ويبرر قمعهم.. وهكذا أيضا، حين يقول لبرزاني ” اترك العراق لي واهتم بكردستان”، فكأنه يشجع على إعلان انفصال كردستان، لتقوم بعد ذلك قيامة وسائل إعلامه، داخلا وخارجا. ومع دخول البشمركة لكركوك احتدمت الحرب الإعلامية ضد الكورد، ووجهت لهم شتى الاتهامات، في تناس متعمد لعدم تطبيق المادة 140 التي كان يجب تطبيقها عام 2007، وقطع رواتب موظفي الإقليم، والتحرشات المتتابعة والاستفزازات المتتالية. وهنا نود أن نعرب، ومن جديد، عن رأينا في أن خير موقف كوردي ردا على حملات المالكي وإعلامييه هو الإعلان عن التضامن الوطني الشامل ضد داعش وكافة أعداء العراق، والإعلان بأن دخول كركوك مؤقت لحين تنفيذ المادة 140 ومنها الاستفتاء. أما عن انفصال الإقليم، فإن للشعب الكوردي كل الحق في دولته المستقلة وفقا لمبادئ وميثاق الامم المتحدة، وذلك عكس تصريحات المالكي بأن المطالبة بحق تقرير المصير باطلة لأنه غير منصوص عليه في الدستور العراقي. وهذا جهل بالمبادئ الدولية المعتمدة، حيث هناك شعوب لا يتجاوز عدد سكانها المليون أو المليونين ولها دول وطنية مستقلة، ومنها دول خليجية وبلقانية.. نقول هذا تذكيرا بالمبدأ، علما بأن حق تقرير المصير لا يعني الانفصال وحده، بل قد يعني الحكم الذاتي والفيدرالية، كما يعني الكونفيدرالية. وفي رأينا، أن الظروف الإقليمية والدولية غير مناسبة لانفصال كردستان العراق اليوم ولاسيما وأن دول الجوار، وخاصة إيران، ستعادي أية دولة كردية في العراق خوفا من انتقال العدوى لأكرادها، وسيجري تأليب داخلي وإقليمي واسع ضدها، وذلك مهما قالت اليوم هذه الحكومة الإقليمية أو تلك. إن المهم الآن هو الحفاظ على فيدرالية كردستان ومعالجة ثغراتها من بعض مظاهر الفساد والمحسوبية، وترصين الصفوف الداخلية والعمل مع بقية القوى الوطنية والديمقراطية من أجل حكومة إنقاذ وطني وتصحيح العملية السياسية في العراق، وفي سبيل نظام عراقي اتحادي ديمقراطي، علماني. فالديمقراطية الراسخة في بغداد خير سند لكردستان. أما مستقبلا، فلكل حادث حديث، إذ لا يعقل أن تبقى أمة كردية مجزأة يزيد عدد أفرادها عن 30 مليونا بلا دولة كوردية كبرى تكون عامل استقرار وإشعاع على نطاق المنطقة.
. والخلاصة أنه يجب مواجهة الاستفزازات والتحرشات العدوانية العنصرية، برأس بارد وبحسابات حكيمة ودقيقة وهادئة لصالح الكورد والعراق.








