الايام البحرينية- عزيز الحاج : إيران في كل مكان، وعلى كل لسان، لاعبا ماهرا، شاطرا، يتقن حساباته، ويوقت مناوراته وفق استراتيجيات التقية.
إنها سياسة «عقلانية»، على حد وصف اوباما في حديث صحفي، وهو ما علق عليه مقال لعبدالرحمن الراشد. أن يكون نظام ما لاعبا نشيطا، إقليميا ودوليا، يجب النظر إليه وفق أهدافه الصريحة والمخفية، وعواقب سياساته، واعتمادا على معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان: هل هي شطارة لصالح نشر القيم والممارسات الديمقراطية والإنسانية ومن أجل السلام، أم العكس تماما؟ طبيعي أن يكون للأنظمة الشمولية الدموية والعدوانية استراتيجياتها ومنظومات أفكارها ومخططات تكتيكاتها بحسب الظرف.
وقد حدد الخميني منذ بداية 1980، وفي خطاب ألقاه نيابة عنه ولده، استراتيجيات نظامه في «تصدير الثورة»، وهي في التطبيق كانت تعني، ولاتزال تعني، تصدير التطرف المذهبي والإرهاب، والتعاون والتحالف، حسب المصلحة، مع القوى والأنظمة الدكتاتورية. نعم، أذرع إيران، الملطخة بالدم، في سوريا وفي لنبان حزب الله وفي عراق المليشيات الشيعية المسلحة وفي يمن الحوثيين والبحرين ونيجيريا وبلغاريا وأمريكا اللاتينية. ونظام الخمينية لم تمنعه الخلافات السياسية المذهبية من التعاون مع القاعدة، هو وشريكه السوري، ومنذ أيام لا غير عاقبت وزارة الخزانة الأمريكية ممولا لجبهة النصرة مقيما في إيران. فهل يعقل أن لا يكون خبر ذلك عند الملا اوباما! وأمس تم إلقاء القبض على سفينة صواريخ متقدمة تحت علم بناما موجهة للإرهابيين في غزة عبر العراق والسودان.
ربما الرئيس الأمريكي وطاقمه فاتهم الخبر! وإيران حليف قوي للقيصر بوتين، الذي يعطل مجلس الأمن من أجل جزار دمشق، ويعتدي عسكريا على أراضي الآخرين ويقضمها بلا عقاب رادع وسوى عقوبات تخدش ولا تجرح عميقا. وبعد أيام، سيزور دكتاتور فنزويلا الجديد طهران، فيما لاتزال دماء المظاهرين المحتجين في الشوارع تملأ عاصمة بلاده. وبينما كان الرئيس الأمريكي قد حدد ستة شهور لعقد الاتفاق النووي النهائي مع إيران، فها هو يمدد المدة إلى عام، ويقول إن التفاوض لا غير هو سبيل حل المعضلة النووية الإيرانية، وإن على جميع العالم أن يوافق على ذلك «أمر سلطاني!».
ونعلم أن الاتفاق المبدئي قد ضحى بعدد من شروط ومطالب مجلس الأمن المعتمدة سابقا، وفي المقدمة حظر التخصيب بالمطلق، وتسليم إيران كل ما لديها من يورانيوم مخصب، ووقف العمل بمنشآت تعمل بالماء الثقيل. ولكن النظام الإيراني يواصل صنع أجهزة الطرد، ومواقع الماء الثقيل تعمل، وروسيا ستبني محطتين نوويتين جديدتين، وروحاني يعلن، أكثر من مرة، أن الاتفاق لا يعني تفكيكا ولو جزئيا للمشروع، وأن إيران لن توقع على اتفاقية لا تلبي مطالبها « المشروعة». أما داخل إيران، فالإعدامات الجماعية مستمرة، وقد تزايدت مع روحاني، ومحاكم تحكم بجدع الأنف وفقا العيون، وشاب محكوم بالإعدام يضرب أمام الناس حتى الموت ويشنق جسده لمجرد أنه تشبث كل التشبث لكي يعانق أمه قبل الموت.
ورجال خامنئي في العراق يعلنون أنهم حاضرون لتقديم اللاجئين من مجاهدي خلق قربانا للولي الفقيه بعد أن أمعنوا في زملائهم وزميلاتهم في أشرف وليبرتي قتلا وخطفا وعدوانا بالصواريخ ومنعا للأدوية والمقابلات. أوباما يفرق بين تطرف إسلامي وآخر مع أن التطرف الإسلامي واحد، وبوجهين، والإرهاب الإسلامي واحد وبمذهبيه ومحاربته يجب أن تكون بلا انتقائية ولا تمييز. أما الرئيس الأمريكي فيعتبر التطرف «السني» هو الأخطر، وينظر لإيران كراعية للاعتدال والعقلانية وهي التي تعاقدت مرارا مع القاعدة «السنية»، ولاتزال تستخدم عناصر قاعدية عند اللزوم وحسب المصلحة.. ولا نعرف كيف ينسى الرئيس الأمريكي سلسلة عمليات التفجير التي تعرض لها الأمريكيون في بيروت والسعودية في الثمانينات، والتي كانت إيران من ورائها؟!! وكيف نسي أن القائد العسكري للقاعدة سيف العدل أقام في إيران سنوات طوالا، ومثله ابوالوليد المصري والاسلامبولي وزعيم كتائب عبدالله عزام السعودي، ماجد الماجد، وجعفرالأوزبكي الذي تتهمه الوزارة الأمريكية علنا وتعاقبه لاستخدامه الأراضي الإيرانية لتسهيل حركة المقاتلين الجهاديين إلى سوريا، أي اعتراف بان إيران هي نقطة ترانسيت لإرسال الأموال والمقاتلين لدعم القاعدة في سوريا، في لعبة إيرانية معقدة ومزدوجة تبرهن حقا على شطارة اللعب و»الاستراتيجيا»!! وفي بداية فبراير من هذا العام، قال قائد البحرية الإيرانية إن الأسطول الإيراني المتجه للمياه الأمريكية يحمل «رسالة»، أي قادرون على ضربكم. وكان هذا بعد الاتفاق النووي، الذي قالت عنه وكيلة الخارجية الأمريكية انه غير مثالي ولكن «لا نعتبر الثغرات الموجودة فيه ثغرات»!!! وقد علقت على ذلك الكاتبة هدى الحسيني في مقالها بالشرق الأوسط في شهر فبراير المنصرم. ليس من التجني والمبالغة التأكيد على أن إيران صارت الخطر الأكبر على أمن المنطقة، بزحفها وتمددها الطائفي وتصديرها للإرهاب ودعمها لكل أشكال التطرف والإرهاب الإسلاميين ـ ناهيكم عن إمعانها في نحر السوريين، ودعم الطائفية والتناحر في العراق ولبنان وغيرهما.
فإذا كان أوباما يعتبر هذه السياسات عقلانية ومرحبا بها، فهذا شأنه وشأن اللوبي الإيراني العامل ليل نهار في الولايات المتحدة. ولكن الرئيس الفاضل نسي في تصريحاته الأخيرة أنه هو، في الوقت نفسه، يرعى الإخوان المسلمين، أي التطرف والإرهاب الإسلاميين «السنيين»، فهو يرى إيران والأممية الإخوانية جديرتين بقيادة المنطقة وتستحقان كل مكافأة، كالسلبية تجاه مصر لصالح الإخوان، والإشادة بنظام الفقيه، وتتالي زيارات الوفود الغربية لطهران، وتأجيل وكالة الطاقة لنشر تقرير يؤكد الطابع العسكري للمشروع النووي الإيراني، والحجة عدم التشويش على المفاوضات. وكل عقلانية إيرانية والمنطقة من أزمة إلى أخرى، ومن خطر إلى آخر…








