السياسه الكويته – د. عبدالعظيم محمود حنفي: لاحظ منظر المباريات السياسية توماس شيلينغ ذات مرة ان هناك امرين يعتبران مكلفين جدا في السياسة الدولية, التهديدات حين تخفق والوعود حين تنجح. الرئيس السابق جورج بوش الابن سار على طريق لقنه هذا الدرس فقد اسرف في اطلاق التهديدات لايران لمنعها من صنع اسلحة نووية, وثبت انها تهديدات فارغة ولم تجن الولايات المتحدة منها سوى تقليل مصداقيتها في انحاء العالم, الرئيس باراك اوباما استوعب الدرس وتفادى اطلاق التهديدات المنذرة المتوعدة.
ويحاول تفادي الضربات الجوية ضد ايران, ويبدو ان قناعة الرجل تقوم على ادراك ان توجيه ضربات جوية ضد ايران يفتقر الى الحكمة بصورة مفرطة, فهي لن تكون لها سوى اثار عسكرية ضئيلة : فالمنشآت موزعة وهي مخفية بطريقة جيدة, ويمكن اصلاح ما يتضرر منها خلال بضعة اشهر وفي ظل انتشار جنود الولايات المتحدة في افغانستان فان لدى ايران الكثير من الوسائل التي تستطيع استعمالها للانتقام من ضربة عسكرية توجهها الولايات المتحدة.والاهم ان هجوما عسكريا خارجيا سيؤدى الى تقوية التأييد المحلي للبرنامج النووي الايراني, ويعزز اركان نظام غير ذي شعبية. فالكثير من الايرانيين يعتقدون انه ينبغى لهم ان يكونوا قوة نووية لاسباب ستراتيجية نظرا الى موقعها فهي محاطة بجيران, مثل الصين وروسيا واسرائيل وباكستان, وهي كلها دول نووية قوية, عدا ان تجربة كوريا الشمالية النووية تعطي دافعا للقادة في طهران ان السلاح النووي سيطيل بقاءهم في الحكم رغم عدم شعبيتهم, ومن ثم عمل اوباما على استخدام الضغط الديبلوماسي إلى جانب العقوبات الاقتصادية والمالية لإقناع إيران بعدم بناء أسلحة نووية. ويتم التركيز على النفط الايراني وعلى منع تحويل اموال النفط المباع حيث تعتبر إيران مثالاً تقليدياً للعنة الموارد الطبيعية, فقد كان مؤسس “منظمة الدول المصدرة للنفط” “أوبك”وان بابلو بيريز ألفونسو قد وصف النفط بأنه “براز الشيطان” لما أحدثته عوائد البترول من أثر مدمر على اقتصاد بلاده فنزويلا, ومثل هذا الأمر بات حقيقة واقعة في إيران, إذ أنها تواجه التحدي المتمثل بكونها دولة تنتج السلع ولا تستهلكها فحسب.وتم توضيح المنطق وراء هذه السياسة بمزيد من التفصيل في افادة مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية جيمس كلابر أمام اللجنة المختارة للمخابرات في مجلس الشيوخ إن “عملية صنع القرارات النووية في إيران يوجهها منهج الربح والخسارة, وهو ما يمنح المجتمع الدولي فرصاً للتأثير على طهران”. لكنه قال أيضاً إن تقديرات الولايات المتحدة تشير إلى أن إيران تعمل على تطوير قدرات “لبناء أسلحة نووية حال اتخاذ قرار بتنفيذ ذلك” و أنه رغم الضغوط الديبلوماسية إلا أن “إيران حققت تقدماً أثناء السنة الأخيرة يجعلها في وضع أفضل لإنتاج يورانيوم يُستخدم في تصنيع الأسلحة باستخدام مرافقها المعلنة ومخزونها من اليورانيوم, لو أنها اختارت ذلك”. واستطرد قائلاً: “رغم هذا التقدم, إلا أن تقديراتنا تشير إلى أن إيران لا تستطيع تحويل مسار المواد المُؤمَّنة وإنتاج يورانيوم يصلح للاستخدام في تصنيع سلاح نووي من دون اكتشاف هذا النشاط” — وهو كلام يشير إلى التخوف بشأن حصول إيران على مواد غير مُؤمَّنة. إن استخدام أوباما لمصطلح “سلاح نووي” قد يشير إلى أن طهران تطور جهازاً نووياً أولياً متفجراً قابلاً للاختبار, لكنه كبير جداً بدرجة لا تسمح بأن يكون سلاحاً قابلاً للتوصيل إلى أماكن أخرى, بل ربما لا يتجاوز الخط الأحمر للولايات المتحدة.
والواقع ان ادارة اوباما تدرك تماما ان ايران النووية ستغير المناخ الامني بصورة جذرية في الشرق الاوسط وهو تطور سيجعل كثيراً من الدول الفاعلة اقليميا تعيد النظر في احتياجاتها الامنية, وهو ما سيؤدي الى سباق نووي في المنطقة وضرب لجهود عملية منع الانتشار في الصميم . و لم يشكل فشل أحدث جولة من المفاوضات بين إيران والأعضاء الكبار في المجتمع الدولي في تحقيق تقدم بشأن وضع حد لبرنامج إيران النووي مفاجأة كبيرة. غير أنه إذا نظرنا إلى هذا الفشل, إلى جانب التهديدات الكورية الشمالية المتواصلة باستعمال القوة ضد أعدائها, بما في ذلك الأسلحة النووية, نجد أن هذه التطورات الجديدة تطرح تهديدات حقيقية بالنسبة إلى نظام حظر الانتشار النووي في العالم.
الواقع ان هناك الكثير من الاسباب التى تدعو الى الريبة في ايران. ولكن السؤال الحقيقي هو هل تريد الولايات المتحدة فعلا ان تحاول منع ايران من التحول الى قوة نووية؟
خبير مصري بالشؤون السياسية والستراتيجية








