السياسة الكويتية – نزار جاف: كان للسفير البريطاني في أنقرة أيام حكم مصطفى كمال أتاتورك نفوذ وحظوة استثنائيان, وتقول مصادر بأن أتاتورك كان يستشيره في كل شيء ومن دون كل الوزراء والشخصيات التركية في البلاد الى الدرجة التي تصور الكثيرون بأنه, أي أتاتورك, سيقوم بتوريث السفير حكم بلاده, لكن هذه الحظوة والنفوذ كانتا خلف الكواليس وبعيدا عن الاضواء ولم يكشف عنهما النقاب إلا بعد رحيل أتاتورك بعقود.
قصة سفير النظام الايراني في بغداد حسن دانايي فر, قصة طويلة وفريدة من نوعها, وان أغرب ما فيها أن نفوذه ليس خلف الكواليس او بعيدا عن الاضواء وانما على مسرح الاحداث وفي قلب الاضواء نفسها!
دانايي فر, هذا الرجل الذي يمتلك كل طلاسم واحجية وتعويذات فك الالغاز والعقد العراقية مهما كانت مستعصية, ليس بذلك السفير العادي, وحتى إن السفير الاميركي وذلك المجمع الضخ¯م الذي يسمى السفارة الاميركية في بغداد, ليس هناك من يقدمه على دانايي فر, حيث إن السفير الاميركي ليس”قولاً وفعلاً” كما يقول المثل العراقي الدارج, في حين أن السفير دانايي فر كلمته فعل وفعله نافذ ومؤثر الى النخاع.
دانايي فر, وبعد أن اكتسح المسرح السياسي العراقي وجعل من أرضية حكومة نوري المالكي حلبة ومنصة يستعرض فيها عضلاته وقدراته وإمكانياته غير المحدودة, يبدو أن إمكانياته غير المحدودة قد دفعته لكي يبرز على الصعيد الاممي, وها هو اليوم يثبت قدراته الخارقة في التنويم الكهرومغناطيسي لمنظمة الأمم المتحدة من خلال سطوته وتأثيره ونفوذه على السيد مارتن كوبلر ممثل الامين العام للأمم المتحدة في العراق!
مارتن كوبلر, أو ممثل بان كي مون بشحمه ولحمه وعظمه, يذهب الى عرين دانايي فر في بغداد ويتباحث معه بشأن مصير سكان “أشرف” و”ليبرتي” في السابع من أكتوبر الجاري, وهذا التباحث يأتي بعد أن تم شطب اسم منظمة “مجاهدي خلق” من قائمة الارهاب وصارت المنظمة وبموجب القوانين الدولية بريئة تماما من هذه الصفة التي ألصقت بها”حبا وتزلفا لملالي إيران”, الشطب كان في 28/9/,2012 واجتماع كوبلر الحاكم بأمره في بغداد دانايي فر كان في 7/10/,2012 أي بعد 9 أيام فقط من شطب اسم المنظمة رسميا, ولذلك علينا أن نعترف بقدرة ونفوذ هذا”الفر” خصوصا عندما زاره كوبلر في هكذا وقت”حرج” وهو, أي كوبلر, يدري بأن صاحب الامر والبت في الامور المتعلقة بمصير سكان أشرف وليبرتي الحكومة العراقية لوحدها دون غيرها, لكن الانكى من ذلك, هو التصريح الذي أدلى به دانايي فر بعد اجتماعه بكوبلر ولوسائل إعلام النظام الايراني والتي قال فيها: “عقدت اجتماعا في بغداد مع السيد كوبلر ممثل الامم المتحدة في العراق ومسؤول هذا الملف, وقد أجرينا محادثات تفصيلية بهذا الخصوص وطرحنا توقعاتنا في اللقاء, المشكلة الاصلية هي أن كل بلدان العالم بسبب ما يعرفونه عن هؤلاء وإرهابهم وأعمالهم الاجرامية, فإنهم غير مرحب بهم”, أي أن دانايي وبمنتهى الصراحة التي تصل الى حد الصلافة يرفض قرار الولايات المتحدة وقبلها الاتحاد الاوروبي وبريطانيا الخاص بشطب اسم منظمة “مجاهدي خلق” من قائمة الارهاب ويقول هذا الكلام بوجه ممثل الامين العام للأمم المتحدة نفسها, لله درك يا دانايي فر كم تجاوزت الحدود المألوفة وبلغت ما لم يبلغه غيرك من سفراء أعظم الدول لدى أضعف الدول!
هل القصة من أساسها تتعلق بقوة وقدرات السفير دانايي فر أم انها متعلقة بضعف وانحلال وتراخي الدولة العراقية ذاتها في هذه المرحلة المظلمة تماما من الزمن العراقي المتصحر? سفير نظام محاصر من كل دول العالم وبلده يعاني آلاف المشكلات والازمات, يقوم نيابة عن الحكومة العراقية بالبت في مصير سكان “أشرف” و”ليبرتي” المعارضين لنظامه. مؤكد أن هذا الامر لن يبيض صفحات التاريخ العراقي للأجيال القادمة, كما أن هذا الامر أيضا سيكون صفحة قاتمة ومخزية في تاريخ منظمة الامم المتحدة التي يجب أن تبادر لتقديم توضيح واعتذار مشفوع بطرد مارتن كوبلر من منصبه!
غزوات وفتوحات دانايي فر المضحكة المبكية, سيأتي اليوم الذي ستوريه الامهات العراقيات فيما سيأتي من العقود المقبلة للأجيال القادمة, سيخبرن فلذات أكبادهن: كان ياما كان, كان هناك سفير في بغداد, لم يسبقه في سطوته ونفوذه انسي ولا جان, فكان بحق ملكا غير متوج في بغداد أما مستشاره فكان شخص اسمه نوري المالكي وكان يعمل بخدمته كرئيس لوزراء العراق!
* أكاديمي عراقي








