يدالله علي زاده:في فجر شتائي شديد البرودة، وعند باب سجن (ايفين) الذي بات رمزًا للرعب في إيران، احتشدت عائلة يعصرها القلق ويفتتها الحزن تنتظر سماع أسوأ نبأ قد تسمعه عائلة في الكون، نبأ إعدام الأب ذي الوجه المشرق الذي طالما كانت ابتسامته تبعث الدفء في قلوب أبنائه وبناته طيلة فترة حياته المثقلة بالهموم.
لم يكن غنيا، ولم يحلم بالثراء، عاش بسيطاً قانعًا براتبه البسيط الذي كان يحصل عليه لقاء عمله مدرساً يقدم عصارة جهده لتربية أجيال مسلحة بالوعي الفكري الذي يؤهلها للمطالبة بحقوقها في الحياة الحرة الكريمة
.
ولم يكن علي صارمي أول معارض لحكومة الملالي ينفذ فيه حكم الإعدام، فمئات الآلاف من الثوار الإيرانيين المعارضين للفاشية الدينية قد علقوا على المشانق منذ بداية عهد الدكتاتور المقبور خميني، وكل واحد من هؤلاء الشهداء رحل تاركا عائلة مفجوعة غارقة في الأسى تضمر الكراهية الشديدة للنظام الحاكم وتربي أبناءها على بغض الولي الفقيه وكره كل ما يتعلق به كونه سببا في تعاستهم وشقائهم وحرمانهم من آبائهم منذ طفولتهم.
لكن إعدام علي صارمي كان له دوي كبير في توقيت له أبعاد كثيرة بالغة الأهمية، في ظل ضعف النظام الحاكم (أو شيخوخته إذا صح التعبير) وتصاعد الرفض الشعبي له منذ انتفاضة 2009 ، مع الإنقسامات والإنشقاقات والمؤامرات والدسائس والصراعات داخل الحكومة المتهرئة والتي وصل الحد بها الى نشوب خلاف على غير المتوقع بين الولي الفقيه علي خامنئي والرئيس الذي تسنم منصبه بالتزوير محمود احمدي نجاد على خلفية قيام الأخير بإقالة وزير خارجيته منوشهر متكي المقرب من خامنئي.
وجاء إعدام صارمي أيضا في وقت بلغت فيه شعبية منظمة مجاهدي خلق المعارضة ذروتها حتى بات الشعب الإيراني يراها الأمل الوحيد في خلاصه من منظومة الولي الفقيه الموغلة في الوحشية، ولما كان صارمي مؤيدا لهذه المنظمة العملاقة وله ابن عضو فيها في المنفى، فقد تعاطف الشعب الإيراني بكافة شرائحه وطبقاته مع قضية هذا السجين السياسي الذي قضى نصف عمره في غياهب السجون لينال في النهاية حكما بالإعدام، ومن هنا فإن تنفيذ هذا الحكم الجائر بحق هذا المناضل – وإن كان متوقعا عاجلاً أم آجلا – كان له وقع الصاعقة على قلوب الإيرانيين، وبطبيعة الحال فإن تنفيذ الحكم ينعكس على زيادة النقمة والغضب الشعبي على الحكومة المستبدة.
إن الصورة قد تبدو ظاهريًا إعدام رجل فقير عنيد تجرأ على المجاهرة في رفضه لواقع بلاده المتدهور سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، لكنها في الحقيقة بذور ثورة تنمو بسرعة رهيبة حتى تكتسح الأرض بما وسعت فلا تبقي ولا تذر.
لقد رحل علي صارمي رحيلاً صاخبًا أثار قلق السلطة الإيرانية الحاكمة التي قد تشعر في الأيام القادمة بحجم الخطأ الفادح الذي ارتكبته بسبب سياستها الحمقاء المغرقة في الجهل والهمجية، بيد أن قلقها بدا واضحا منذ الساعات الأولى التي تلت إعدامه، فجثمان هذا الرجل قد يشكل خطرا حقيقياً على حكومة الولي الفقيه عندما يشيعه عشرات أو مئات الآلاف من الحشود الغاضبة من طلبة وموظفين وعمال رجالا ونساء، ومن السهولة جدًا (بل هذا هو المتوقع) أن يتحول التشييع إلى مظاهرات غاضبة تنادي بسقوط الولي الفقيه، ولهذا السبب امتنع جلاوزة النظام الحاكم عن تسليم جثمان الشهيد الى عائلته وقاموا بدلا من ذلك بنقله بصورة سرية الى مسقط رأسه في مدينة (بروجرد) ودفنه هناك تحت جنح الليل.
ولطالما كان علي صارمي يخيف الملالي في حياته، وها هو اليوم يخيفهم بعد مماته، فأي قوة وأي شجاعة هذه التي يموت الإنسان ولا تموت؟!








