رائد كاظم الحمداني: لاتزال صورته شاخصة في أذهاننا، في آخر مقطع فيديو له كانت الإبتسامة لاتفارق وجهه الشاحب النحيل الذي اتعبه المرض، رافعًا كفه بعلامة النصر امام عدسة الكاميرا، وكأنه يعطي وصيته الأخيرة ليس لرفاقه ومحبيه فحسب، بل لكل المناضلين الأحرار في العالم، وكأنه يقول (أنتم المنتصرون في النهاية…).
في قلب الصحراء، بعيدًا عن الوطن، أغمض المجاهد الإيراني مهدي فتحي إغماضته الأخيرة بعد صراع طويل مع مرض السرطان الذي استنزف قواه بعد أن احتجزته قوات رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في مخيم أشرف ومنعته من تلقي العلاج في المستشفيات التخصصية.
خمس وعشرون عامًا قضاها مهدي فتحي في منفاه بمخيم أشرف في محافظة ديالى العراقية مع 3400 لاجئ إيراني معارض لنظام الولي الفقيه، جاعلاً طموحه المشروع في تحرير بلاده من الفاشية الدينية الحاكمة فوق كل هدف دنيوي، كان بإمكانه وبكل سهولة مغادرة الصحراء في اي لحظة والعيش براحة وهدوء في أي مكان من العالم، لكن هذا الإنسان وُلد وتربى على المبادئ والقيم التي تجعله يفضل شعبه على نفسه في كل شيء، لايهدأ له بال حتى يرى ملالي إيران ينقشعون كما تنقشع الغمامة السوداء البغيضة من سماء إيران والمنطقة، ومن هنا اختار سبيل المقاومة حتى النصر أو الموت، إنه مهدي فتحي، التلميذ المحب المخلص في مدرسة المناضل الإيراني الكبير مسعود رجوي، الذي قال للجلاد ( إليّ.. إليّ..).
في سنوات لجوئه في العراق، أحب مهدي فتحي أصدقاءه العراقيين وشاركهم أفراحهم وأحزانهم، وشعر بالألم والمرارة عندما شاهد أرض الرافدين تستباح من قبل الملالي بعد عام 2003، حتى بات العراق مسرحًا لشبكات التجسس الإيرانية وميداناً مفتوحًا للحرس الثوري الإرهابي، لكن ذلك لم يزده الا صلابة وعنادًا وإصرارًا على مقاومة الملالي حتى النفس الأخير.
عاش مهدي فتحي مع رفاقه الـ 3400 مجاهد ظروفاً شديدة القسوة تحت حصار خانق فرضته عليهم قوات الدكتاتور المالكي بأوامر من حكومة طهران، في مخيم نصبت حوله المخابرات الإيرانية 150 مكبر صوت تعوي بالشتائم والتهديدات بإبادة كافة اللاجئين الإيرانيين، ممنوع عليهم إدخال مواد الإغاثة والمستلزمات الطبية، غير مسموح لهم بتلقي العلاج في أي مستشفى خارج المخيم، ولم يعد أمامهم سوى مستشفى (أشرف) الموجود داخل المخيم، وهو بطبيعة الحال مستشفى صغير متواضع يفتقر للأجهزة والكوادر الطبية المتخصصة.
ودخل مهدي لأول مرة إلى مستشفي أشرف الخاضع لسيطرة القوات العراقية في 19 كانون الاول سنة 2009 لمعاناته من مرض الكلى، ولكن بسبب القيود اللاإنسانية التي تفرضها لجنة قمع أشرف وعدم نقله إلى المستشفى وإلى الطبيب المتخصص استفحل مرضه حتى تعرض لنزيف داخلي شديد فخضع لعملية جراحية طارئة.
وألغت لجنة قمع أشرف والمسؤول العراقي للمستشفى أكثر من مرة القرار لنقله إلى بغداد، بحيث استغرقت عملية نقله إلى مستشفى في بغداد للفحص الاختصاصي للجهاز البولي مدة 45 يومًا.
وكان الأطباء الاختصاصيون في الجهاز البولي بعد تشخيص الأورام في الكلى قد أكدوا ضرورة إخضاع المريض لمراقبة عاجلة، ولكن لجنة قمع أشرف ومدير المستشفى منعا نقله إلى المستشفى التخصصي بوضعهما مختلف العراقيل والعقبات أمام ذلك طوال أكثر من ثلاثة أشهر.
ونقل أخيرًا في 22/آب/ 2010 إلى المستشفى بعد تأخير دام عدة أشهر لإجراء عملية جراحية، وبالفعل خضع فورًا لعملية جراحية، وقال الطبيب الجراح بعد مشاهدته الأوضاع الداخلية للمريض: بسبب التأخير في إجراء عملية الجراحية اجتاحت الأورام كامل جسده ولا جدوى من العملية، وكتب الطبيب الجراح في رسالة يقول: إن الأورام توسعت بسبب التأخير في إجراء العملية الجراحية. وقال الأطباء: لو أجريت العملية الجراحية في الأسابيع الأولى لكان من الممكن معالجته ولما وصل المريض إلى هذه المرحلة.
ودخل مهدي فتحي قبل أسابيع مستشفى بعقوبة (على بعد 40 كيلومترًا من أشرف) وكان بحاجة إلى 6 أكياس من الدم، ولم يقدم له المستشفى الدم ولم تسمح القوات العراقية لسكان أشرف بالتوجه إلى المستشفى للتبرع بالدم له. وفضلاً عن ذلك تدهورت حالته الصحية في الأشهر الأخيرة نتيجة الصرخات والضوضاء المزعجة التي يطلقها عملاء مخابرات حكام إيران عبر مكبرات الصوت وتعرضه لضغوط مضاعفة من جراء ذلك.
وخلال كل تلك الفترة بدا مهدي شاحب نحيلاً جدًا وشكله يوحي بأنه يقضي أيامه الأخيرة في هذه الدنيا، وفي ظهيرة الجمعة المصادف 10/ 12/ 2010 فاضت روحه الطاهرة ليكون شاهدًا على حقيقتين بالغتي الأهمية، الأولى أن المالكي ارتكب جريمة قتل جديدة ضمن سلسلة جرائمه التي ارتكبها بأوامر مباشرة من ملالي طهران بحق الأشرفيين العزل.. والثانية تؤشر مدى شجاعة وصلابة سكان أشرف ومدى إيمانهم العميق بعدالة قضيتهم ومدى جديتهم في الدفاع عنها، وكأنهم أوصلوا من خلال رفيقهم الراحل مهدي فتحي رسالة الى شعوب الأرض، رسالة تقول (اهلا بالموت في سبيل تحرير الملايين من البشر من أغلال العبودية).








