الخليج الامارتية – سيف الدين الأتاسي
أصدر مجلس الأمن في التاسع من يونيو/حزيران القرار رقم 1929 الذي فرض سلسلة رابعة جديدة من العقوبات بهدف دفع طهران إلى وقف أنشطة تخصيب اليورانيوم .
وبات النظام الدولي في حالة مواجهة شاملة مع إيران؛ وأهم عامل في هذه المواجهة الاقتصادية الجديدة، أنها انتقلت من مواجهة مع أمريكا إلى مواجهة تحالف عالمي انضمت إليه أوروبا وروسيا وتشارك فيه الصين ولو بأسلوبها الملتبس، كما أنها المرة الأولى التي يتم فيها استخدام التشابك العالمي الواسع الذي حصل في العمل المصرفي والخدمات المالية والتأمين والنقل وغيرها في حرب اقتصادية شاملة .
نجح الحلف العالمي في تطبيق العقوبات الاقتصادية على إيران، نتيجة استخدام الولايات المتحدة أسلوب القوة التفاوضية لفرض الانضباط الدولي في المواجهة الاقتصادية؛ وشددت العقوبات الجديدة على التعاملات المصرفية والتسهيلات المالية والتأمين وتصدير التكنولوجيا أو المواد مزدوجة الاستخدام مع فرض حصار لمنع دخول المشتقات النفطية وإجازة تفتيش السفن الإيرانية أو تلك المتجهة إلى إيران، ومراقبة كافة أنواع البضائع المصدرة إلى إيران في المطارات والموانئ؛ هذا فضلاً عن حظر سفر الأشخاص، وحجز أموال الشركات والمؤسسات ذات الصلة بالبرنامج النووي الإيراني .
ونظراً لأن الإجراءات الدولية الجديدة تضمنت تنازلات معينة بهدف كسب التأييد الصيني والروسي لها؛ فقد سارعت كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى دعم قرارات مجلس الأمن بحزمة إضافية من العقوبات الأشد قوة وحسماً، فأصدر الكونغرس الأمريكي قانوناً شديداً يتضمن معاقبة أي شركة دولية تبيع إيران مشتقات النفط المكرر أو تساعدها في تأهيل مصافي النفط، وقد أنتج هذا القانون مفاعيل فورية؛ كما امتنعت الشركات عن تزويد الطائرات الإيرانية بالوقود في المطارات العالمية؛ وفتحت هذه القضية باباً جديداً لتشديد الحصار الاقتصادي .
وفي الوقت نفسه بادر الاتحاد الأوروبي إلى اعتماد إجراءات خاصة ومشابهة في قسوتها للعقوبات الأمريكية .
إن أحد أهم الأساليب التي اختارها المخططون الغربيون للحرب الاقتصادية على إيران، هو سلاح السوق المالية التي أغلقت الآن أو تكاد في وجه البنوك والشركات الإيرانية، ونتيجة لذلك بات صعباً على المؤسسات الإيرانية إيجاد التسهيلات اللازمة لتمويل التجارة . ونظراً لأن من الصعب محاولة جمع المعلومات والملفات للتمييز بين الزبائن الإيرانيين الشرعيين، وبين من هم واجهات للمؤسسات الإيرانية . وتميل المؤسسات المالية الدولية لعدم التعامل مع الإيرانيين أو غير الإيرانيين الذين لهم أعمال ضخمة مع إيران؛ وذلك تجنباً لمخاطر وقوعها تحت سقف العقوبات الدولية .
وعلى طريق تضييق الخناق المالي على إيران؛ برزت صعوبات الحصول على تأمين للبضائع المشحونة إلى إيران؛ وما أن تلقت لويدز قرار حظر التعامل مع إيران حتى أخذت تبحث عن حلول تجنبها خسارة الأقساط التي تستوفيها من المصدرين الأوروبيين والأمريكيين وغيرهم في كافة أنحاء العالم مقابل تغطيتها للشحنات التي يصدرونها إلى إيران لاسيما المحروقات المكررة مثل البنزين وكاز الطيران والغاز وغيرها من المواد التي لم تتمكن إيران حتى اليوم من إنتاجها داخلياً؛ وهناك شركات نفط عالمية عديدة وجدت نفسها مضطرة لوقف التعامل مع إيران استيراداً وتصديراً .
وذكرت صحيفة فاينيشال تايمز أن لويدز توقفت عن إصدار عقود التأمين البحري للصادرات الأمريكية والأوروبية المتجهة إلى إيران .
سعت إيران وتخفيفاً للحصار النفطي المفروض عليها؛ إلى منح عقود تطوير حقول النفط لمجموعة من الشركات المحلية على رأسها شركات تابعة للحرس الثوري الإيراني؛ لكن هذه الشركات لم يعد في إمكانها اللجوء إلى مصادر التمويل الدولية الأمر الذي سيفرض على الحكومة إمدادها بالمال؛ في وقت تعاني فيه الحكومة من العجز في توفير السيولة بسبب ضعف مالية الدولة .
كما أن موجة العقوبات ستجعل من الصعب على الشركات المحلية الحصول على التكنولوجيا وقطع الغيار اللازمة لصيانة آبار النفط أو تطوير الاستكشافات النفطية الجديدة، ما أدى إلى إضعاف حركة الاستثمار في قطاع النفط الإيراني الذي تراجعت طاقة إنتاجه من 2 .4 مليون/ برميل باليوم إلى 8 .3 مليون/ برميل باليوم .
لقد أصابت العقوبات الاقتصاد الإيراني في مقتل وهو سيطرتها على تطوير صناعة النفط؛ لأنه يسهم بنحو 60% من الناتج المحلي، و70% من موارد الميزانية . كما انه يوفر نحو 80% من العملات الأجنبية التي تحتاجها إيران سنوياً .
وبدأت انعكاسات الحصار المالي والتجاري تبدو جلية في السوق الإيرانية على شكل نقص متزايد في السلع الاستهلاكية؛ الأمر الذي انعكس تراجعاً في حركة التجارة الداخلية وكان من بين أهم الأسباب غير المباشرة لإضراب قسم من تجار البازار في طهران لأكثر من أسبوعين في يوليو/تموز الماضي . وعمت الأسواق الداخلية مشاعر الإحباط بسبب تراجع حركة السوق والمبيعات بصورة كبيرة جراء الحصار والمواجهة المستمرة بين حكومة إيران والمجتمع الدولي .
لقد استنزف الحصار الدولي الكثير من زخم الاقتصاد الإيراني ما أدى إلى ارتفاع التضخم وازدياد نسبة البطالة التي وصلت إلى أكثر من 24% خصوصاً عند الشباب؛ وهروب الاستثمارات الخارجية؛ ورفع نسبة الضرائب مع التوجه لفرض ضرائب جديدة على اقتصاد منهك؛ مع التوجه نحو إجراءات تقشف جديدة؛ كما بات 70%من الاقتصاد الإيراني تحت سيطرة الحرس الثوري .
إلا أن العقوبات الدولية تواجه الثغرة التركية، علماً أن تركيا عارضت قرار فرض العقوبات الدولية على إيران في مجلس الأمن، وبرزت الثغرة التركية في سهولة تمويل إيران بالمشتقات النفطية عبر الموانئ البحرية التركية خصوصا مرفأ مرسين والذي لابد من التشدد في مراقبته . لكن المعضلة الحقيقية التي تواجه تركيا هي العقوبات المصرفية والمالية والتي يصعب على البنوك التركية تجاهلها .
كما أن التحدي الأهم الذي واجه العقوبات الدولية والأمريكية الأوروبية هو شمال العراق الذي بدأ يلعب دور طريق غير شرعي للقوافل المؤلفة من شاحنات البنزين والمازوت لتعبر بالتهريب والتجارة الحدودية .
إن مجرد تبني هذه الإجراءات القاسية يقدم الدليل على أن الحصار الدولي الشامل على إيران بدأ يعطي مفاعيله؛ وإن زيادة الضغط بمختلف الاتجاهات يعمل لتعميق عزلة إيران والتسبب بأزمة اقتصادية خانقة وإعادة إيران عقوداً إلى الوراء من أجل إجبارها على اتخاذ الخيارات الصعبة!! مع العلم أن الولايات المتحدة بدأت مؤخراً بدعوة العالم للتحضير لمرحلة أصعب من العقوبات الاقتصادية ومعركة عض الأسنان مازالت مستمرة .








