الوطن الكويتية-بقلم توني كارون:ترى بعض الدوائر السياسية في مباركة ايران لترشيح رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي لفترة رئاسية ثانية منعطفاً كئيباً غير متوقع للأحداث.فما ان غادر الجنود الأمريكيون المقاتلون أراضي العراق حتى تحركت ايران لملئ الفراغ من خلال دفعها رجلها الى السلطة، وأمرت رجل الدين المتطرف مقتدى الصدر المناهض لأمريكا بالوقوف وراء المالكي ودعمه على الرغم من كراهية الصدر للمالكي.
لا شك ان أمريكا حاولت كثيرا، ولكن دون طائل، دفع رئيس الحكومة السابق اياد علاوي الذي تفضله الى السلطة، وذلك لأن اسلوبه في العمل يتفق مع الممارسة الديموقراطية التي بدأت في العراق منذ الاطاحة بصدام حسين.
ومن المرجح الآن ان يتم تجاهل تحذيرات واشنطن من مغبة منح الصدر حصة مهمة في الحكومة الجديدة على الرغم من ان المالكي سيحد، كما هو متوقع، من وجود مؤيدي الصدر في الوزارات المهمة التي ترتبط بالامن، حيث للصدريين فيها تاريخ معروف في ممارسة العنف ضد المسلمين السنة.
لكن حكومة المالكي الجديدة سوف تكون اذا ما تم تشكيلها مماثلة للحكومات السابقة التي تشكلت بعد سقوط صدام، اي انها ستكون قريبة لطهران اكثر منها لواشنطن.
على أي حال، لم تتم بعد الصفقة التي ستضمن للمالكي فترة رئاسية ثانية للحكومة، نعم لقد دخل الصدر لعبة المداولات السياسية بضغط من ايران على الارجح.
ويبدو انه فضل بالنهاية رؤية حكومة ثانية للمالكي بدلاً من حكومة عراقية جديدة يقودها علاوي بدعم أمريكي، لكن لايزال المالكي مع ذلك بحاجة لتأييد الكتلة الكردية على الرغم من انها كانت قد ألمحت – على الرغم من تحفظاتها – انها تفضله أكثر من علاوي.
توسط
من الواضح ان ايران تعمل الآن لتمهيد الطريق أمام المالكي، ليس فقط لدى الاحزاب الشيعية، بل وفي المنطقة ايضا حيث توسطت لدى سورية التي تؤيد علاوي كي تقبل بفترة اخرى للمالكي.
اذ على الرغم من التحالف الاقليمي السوري – الايراني يقف البلدان سورية وايران على طرفي نقيض ازاء المأزق القائم على الساحة العراقية وعلينا ان نتذكر هنا أن دمشق ليست على علاقات ودية مع المالكي لأنه كان قد اتهمها العام الماضي بمساعدة التمرد السني.
لكن على الرغم من ان لطهران نفوذ في العراق أكبر مما لدى واشنطن فيه الا انها لم تتمكن حتى الآن من التأثير بالعملية السياسية الجارية في بغداد، لقد كانت طهران تفضل دخول للأحزاب الشيعية كلها في تآلف واحد، ولو حدث هذا لانتهت من مشكلة علاوي من البداية، فمن المعروف ان لطهران حلفاء مهمين في بغداد منهم حزب المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق وحزب الدعوة الذي يقوده المالكي نفسه. وكان هذان الحزبان الشيعيان قد شاركا في تشكيل الحكومة العراقية المؤقتة التي رعتها الولايات المتحدة عام 2003، وشهدت كل الانتخابات الديموقراطية الثلاثة التي حدث في العراق بعد ذلك هيمنة ملحوظة للاحزاب الاسلامية الشيعية.
بل وحتى دور الصدر، الذي يماثل في السياسة العراقية دور بيضة القبان، ليس شيئاً جديداً لأن المالكي لم يصبح رئيساً للحكومة في مايو 2006 الا بدعم من كتلة الصدر البرلمانية.
والحقيقة ان سبب عداء الصدر لرئيس الحكومة الراهن يعود لحملة المالكي التي قاد فيها قوات الامن المدعومة أمريكياً ضد جيش المهدي الطائفي في مارس 2008، ويتعين ان نلاحظ هنا ان تلك المواجهة لم تنته الا بعد الهدنة التي رعاها قائد كبير في حرس ايران الثوري.
تدخل
والآن، على الرغم من سعي علاوي للحصول على تأييد العرب والولايات المتحدة من خلال شجب «التدخل» الايراني في العراق، من الواضح انه أمضى والمالكي ايضا وقتاً طويلاً في استمالة كل منهما العواصم المجاورة في جهودهما لتشكيل الحكومة.
لكن ليس هناك ببساطة قوة خارجية واحدة قادرة على ايجاد حكومة موالية لها في بغداد وذلك لأن الطريق الوحيد الى السلطة يكمن في تأمين التأييد البرلماني الضروري، واذا كانت كتلة علاوي قد تفوقت في الانتخابات على تحالف المالكي بمقعدين او اكثر الا انه برهن انه أكثر مهارة من علاوي في تشكيل تآلف يمكنه من الحصول على أغلبية برلمانية.
ولا شك ان الخاسر الأكبر إذا ما أُعيد انتخاب المالكي هم السنة الذين كانوا قد تخلوا عن مقاطعة الانتخابات، وصوتوا لعلاوي لينتهي الأمر بعدم قدرة رجلهم على تشكيل الحكومة بسبب الارقام اي عدم توافر مقاعد برلمانية كافية له.
ويمكن القول ان عودة المالكي للحكومة سوف تؤكد شعورهم بالانعزال عن نظام يهمين عليه الشيعة هو بالسلطة اصلاً منذ الاطاحة بصدام.
ويبدو ان من عواقب ذلك الشعور عودة الكثيرين – كما يقال – من افراد الميليشيا السنية «أبناء العراق»، الذين ساعدوا الولايات المتحدة في تهميش «القاعدة في العراق»، الى صفوف التمرد المسلح من جديد.
من المفارقة بالفعل ان يمتلك السنة القدرة على زعزعة استقرار العراق من خلال العمل المسلح ولا يستطيعون امتلاك المقاعد البرلمانية الكافية التي تفرض على المالكي بالنهاية مشاركتهم في الحكومة الجديدة.
تعريب نبيل زلف








