تدويل القضية العراقية بين الحقيقة والوهم القبس الكويتية-غالب حسن الشابندر:التصريح الذي قال فيه زعيم الكتلة العراقية الدكتور أياد علاوي: «إن فشل الكتل العراقية الفائزة بالانتخابات في تشكيل الحكومة المرتقبة سيقود الى تدخل هيئة الأمم المتحدة لتقوم بهذه المهمة الملحة»، قد أثار الكثير من التأويلات والتعليقات المشككة والشاجبة.
مثل هذا الكلام عن تدويل القضية العراقية كان قد أثير في أكثر من مناسبة وعلى لسان أكثر من مسؤول في القائمة العراقية التي يتزعمها أياد علاوي.
ويرى المراقبون أن تصريح علاوي بخصوص احتمال تدويل القضية العراقية مرتبط بشكل أو بآخر باستمرار الصراع بين دول الجوار على أرض العراق، وعدم قدرة الكتل السياسية على اتخاذ موقف موحد إزاء هذا الصراع.
تفسيرات الخصوم
تصريح علاوي بأن هيئة الأمم المتحدة قد تنوب عن الكتل العراقية الفائزة بتشكيل الحكومة يفسرها بعض المناوئين بأنها محاولة منه للاستقواء بقوى خارجية، لتمكينه من خصومه في الصراع على السلطة، ومن ثم توفير فرصة سانحة له لتشكيل الحكومة، مستفيدا من واقع حال يمكن أن يُقنع هيئة الأمم المتحدة بالتدخل على هذا الصعيد. فهناك خطر التصادم الطائفي والعنصري في البلد، وهو خطر داهم، ربما تتطاير شروره لتعم المنطقة كلها، مما قد يجعل الأمم المتحدة أمام مسؤولية إخماد هذا الخطر، ولا يكون ذلك إلا بالتدخل الفعلي في العراق وتشكيل حكومة مؤقتة برعاية قوات دولية تتقرر هويتها في حينها.
تصريحات زعيم «العراقية» العلنية بأن تدويل القضية العراقية مشروع محتمل، قد يلقى القبول من بعض الأنظمة المجاورة، لأن ذلك يوسع من فرص التضييق على جارة العراق الشرقية، ويحمّ.لها متاعب إضافية، كما أنه يشكل بعض الإحراج للحكومة السورية، فيما قد يلقى نوعا من الترحيب لأنظمة أخرى تهتم مباشرة بمستقبل العراق، من منطلق أن مثل هذا التدويل يمنع من اندلاع فوضى طائفية في البلد، ويساهم الى حد ما في ضبط التجاذبات السياسية بين الكتل، وربما يمهد لحل بعض ما يعانيه العراقيون من مشاكل على مستوى الخدمات الأساسية.
أسئلة ومخاوف
المهتمون بالشأن العراقي ليسوا على اتفاق من حيث قبول هيئة الأمم المتحدة بمثل هذا المشروع. فكما أن هناك من يرى إمكانية، ولو كضرورة قصوى، فإن آخرين يرون أن هناك الكثير من الصعوبات التي تحول دون تحقيق الأمر كواقع على الأرض في ظل الظروف الراهنة. ثم كيف يمكن إقناع العالم بذلك؟ وهل هناك دولة مستعدة للتواجد العسكري في بلد تتنازعه صراعات إقليمية حادة، قابلة للانفجار؟ وهل العراقيون على استعداد روحي وفكري واجتماعي لقبول فكرة التدويل، في الوقت الذي تكمل فيه القوات الأميركية انسحابها من العراق؟ وما هو موقف مكونات الشعب العراقي من التدويل؟
يضيف هؤلاء أن مشروع تدويل القضية العراقية قد يزيد من حدة التوتر في المنطقة، وقد يتسبب بتصعيد الصراع في الشرق الأوسط، لما له من انعكاسات على مجمل التوترات التي تسود المنطقة، بما في ذلك الخلاف الأميركي ـــ الإيراني حول العديد من القضايا، في مقدمتها الملف النووي، وبما في ذلك الصراع العربي ـــ الإسرائيلي، وقد يوفر فرصا أكبر لدخول المنطقة في تشكيلات مسلحة خفية.
لذلك يستبعد كثير من المراقبين والمحللين التدخل الدولي في العراق، أو بتعبير أدق تدويل القضية العراقية.
الخيار الحالي
هذا التصور يوازيه تصور مخالف. فترك الأمور على حالها بيد القوى السياسية وقياداتها الحالية قد يجر البلد إلى حرب أهلية متعددة المشارب والهويات، وقد يشجع على المزيد من التدخل الإقليمي، وربما يتعرض اقتصاد العالم الى هزة عنيفة، وتختلط الأوراق المذهبية والقومية والاثنية، مما يمهد لإشعال المنطقة بحرب خطيرة. ومن هنا يتحتم على العالم أن يتدخل وبكل قواه، كي يحول دون هذه المضاعفات ونتائجها المدمرة، ليس على مستوى منطقة الشرق الأوسط وحسب، بل على مستوى العالم كله.
الكتل السياسية الفائزة، عدا القائمة العراقية، تشكك باحتمال تدخل هيئة الأمم المتحدة في تشكيل الحكومة العراقية. ولكنها في الوقت نفسه تصطدم بأكثر من حقيقة صارخة، منها أن فشل هذه الكتل بتشكيل الحكومة لا يمكن أن يستمر الى ما لا نهاية. ومن ثم، ليس هناك أي دليل أو بصيص نور يبرهن على أن هذه المشكلة في طريقها الى الحل. فهل تستمر الأوضاع على ما هي عليه: مثيرة للمخاوف الوطنية والإقليمية وربما حتى العالمية، خصوصا أن العراق ما زال رهن الفصل السابع؟
واشنطن والاتفاقية الأمنية
وماذا عن موقف واشنطن من فكرة «تدول العراق»، وهي التي تربطها بهذا البلد معاهدة أمنية؟ أحد أهم نصوص هذه الاتفاقية، يقول إن الولايات المتحدة ينبغي أن تتحمل مسؤوليتها في حماية النظام الديموقراطي في العراق فيما لو تعرّض للخطر من الداخل أو من الخارج. فما هو موقف واشنطن تجاه مشروع التدويل المزمع؟
إن العلاقة بين واشنطن والمنظمة الدولية كفيلة بالجواب على هذا السؤال في نظر مراقبين ومحللين. فقد أثبتت التجارب أن أكثر قرارات المنظمة الدولية محكومة بالرغبة الأميركية، أو متأثرة بمصالح الإدارة الأميركية.
إن تصريح زعيم القائمة العراقية ورفاقه، بشأن تدخل هيئة الأمم المتحدة في تشكيل الحكومة العراقية المرتقبة، فيما إذا فشلت الكتل السياسية في أداء مهمتها، لها ما يؤيدها من أسباب وعوامل، ولها ما ينقضها أو يقلل من احتمالها من أسباب وعوامل مقابلة. فأي من الأسباب والعوامل ستكون هي المرجحة؟
لا أحد يعرف الجواب…








