استمرار تدهور الأوضاع المعيشية في إيران يمكن أن يتسبب في هزات شعبية عنيفةالسياسة الكويتية- د. عبدالعظيم محمود حنفي :عند تحليل الدور الاقليمي الايراني وانعكاساته على الدول العربية يتم التركيز غالبا على جدل نظري مفاده: هل تريد ايران الهيمنة ام لا? وواقع الامر ان من المستحيل اثبات ذلك . والاجدى هو تحديد مجموعةمن المؤشرات وقياس كل منها في حالات سورية , فلسطين , العراق , لبنان ودول الخليج, ثم العمل على تحديد المصالح الايرانية في كل تلك الحالات .
وهو الأمر الذي سيقودنا عما إذا كان تحقيق تلك المصالح يتطلب من الدولة الايرانية ان تهيمن وأن تنفي, وأن تستأصل أدوار دول أخرى أم لا . فالسياسة الإيرانية – مثلا-تجاه العراق بعد الغزو الأميركي في العام 2003, تبين أن طهران وجدت الفرصة سانحة للتدخل بقوة في المناطق الجنوبية حيث تعيش الأكثرية الشيعية. ويبدو أن إيران تمتلك الآن النفوذ الأوسع من خلال سيطرة القيادات الشيعية القريبة منها على الحكم العراقي.
إلى جانب رغبة الدولة الايرانية في تصدير روح الثورة الإسلامية باتجاه المجتمعات الشيعية في الدول المجاورة, وفي إعطاء سياستها الخارجية سمة إسلامية من خلال التمسك ببعض القيم الإسلامية كثوابت (كالموقف من إسرائيل) وتدعيم قوى مثل "حزب الله" و"حماس" على حساب إضعاف الدولة اللبنانية والسلطة الفلسطينية . كما أن القومية الفارسية تشكل الدافع الأساسي للدور الذي تريد إيران أن تؤديه على المستويين الإقليمي والدولي. واللافت أن إيران لا تعطي أهمية للخلافات الجيوسياسية مع جيرانها , بل تتركز كل جهودها حول النفوذ والدور الأمني الإقليمي الذي تريد أن تمارسه الآن أو ضمن أي نظام أمني مستقبلي. فهى تنفق اموالا كثيرة في سبيل تحقيق ذلك الهدف ويبقى البعد الغائب في التحليل ما دمنا نتحدث عن مصالح وقدرات هو التساؤل: هل تملك الدولة الايرانية المصادر الاقتصادية والمالية للاستمرار في هذا الدور ? تقارير دولية مثل تقاريرصندوق النقد الدولي تتحدث عن أن المواجهة بين الأسرة الدولية وإيران بسبب برنامج الأخيرة النووي أثرت في الاقتصاد الإيراني سلباً, ويمكن أن تهدد الاستثمارات والنمو الاقتصادي الى حد أبعد.ونلاحظ بالاضافة الى العقوبات الدولية على ايران ان المانيا الشريك الاكبر الغربي تضغط – على شركاتها لتقليل حجم التعامل مع ايران مما ادى الى تراجع حجم التجارة الالماني الايراني بنسبة 30 في المئة. كما أن استمرار تدهور الأوضاع المعيشية في إيران يمكن أن يتسبب في هزات شعبية عنيفة لأن الاستقرار السياسي في ايران شديد الإرتباط بالازدهار الاقتصادي , ورغم أن العلاقة بين البؤس الاقتصادي وظهور التطرف السياسي في الشرق الأوسط ليس من السهل اثباتها , فإن هناك ما يشبه الإجماع على أن مصير الجمهورية الإسلامية الإيرانية ,والصلة بين المثل الثورية والواقع وتأييد الرأي العام للنظام الإيراني, كل ذلك, يتوقف كثيرا على قدرة الحكومة الإيرانية على إعادة تنشيط الاقتصاد, الذي يعاني من صعوبات حقيقية وخطيرة, رغم ارتفاع أسعار النفط خلال الخمس سنوات الأخيرة . ويفاقم من تلك المعضلة الانخفاض الحاد في أسعار الطاقة, بدءا من النصف الثاني من العام الماضي, اذ يعتمد الاقتصاد الإيراني بشكل أساسي على الصادرات النفطية. فالذهب الأسود يشكل 85 في المئة من إجمالي الصادرات. وقد ارتفعت العائدات النفطية من 32 مليارا عام 2004 إلى 50 مليارا عام 2006 كما أن غياب التنوع في نشاطات التصدير يضر بالاقتصاد لأنه يقوم على التخصص في قطاعات أولية غير متطورة, و غير قادرة على مواجهة المنافسة. كما أن الضعف التكنولوجي للاقتصاد الإيراني يفرض عليه التموين من الخارج خصوصا وأن ذوي الكفاءات يهاجرون إلى الغرب مما يزيد من حدة ظاهرة ضعف التنوع الاقتصادي . فلا شك أن هناك محنة اقتصادية حقيقية يعيشها المجتمع الإيراني. فإذا سلطنا الضوء على المعطيات الكََمية للاقتصاد الإيراني نصل إلى خلاصة مفادها أن 85 في المئة من البنية الإنتاجية يملكها النظام الحاكم. و على غرار الاقتصادات الموجهة, فالقرارات لا تصدر من دون موافقة "السلطات المعنية", الشيء الذي يضعف الحريات الاقتصادية و يشجع اقتصاد الريع. ففي إيران, قام النظام الحاكم على ولاية الفقيه بتفويض إدارة شؤون البلاد الاقتصادية للحرس الثوري "الباسداران" مقابل توفير الحماية للنظام. مما أدى إلى سيطرة "الباسداران" على جزء كبير من الاقتصاد, فالرئيس الإيراني الحالي, السيد محمود أحمدي نجاد, وعدد من وزرائه ينتمون إلى"الباسداران". ومن البدهي أن يصبح من السهل حصول التجار المنتمين إلى "الباسداران", على مشاريع الدولة الكبيرة كمشروع تطوير حقل بارس الجنوبي للغاز المقدر ب¯ 1.56 مليار يورو (نحو 2.10 مليار دولار أميركي ).
و يعتبر الاقتصاد الإيراني في الوقت الحالي فريسة للتخلف. فالناتج المحلي الإجمالي نحو ال¯196.3 مليار دولار. و الدخل الوطني الإجمالي (بمقياس القوة الشرائية للعام 2005) وصل إلى 545 مليار دولار, نحو 8050 دولارا للفرد الواحد. أما بالنسبة لمؤشر التنمية البشرية, فتحتل إيران المركز 96 بين دول العام بمعدل 0.746 كل تلك الأوضاع غير المواتية تعرقل مشاريع الفاعلين الاقتصاديين. تضاف إلى ذلك نسبة بطالة مرتفعة تطال 20 مليون نسمة من سكان إيران الذين يصل عددهم إلى 70 مليونا. كما أن سوق العمل حاليا مشبعة ولا يمكنها أن تحتوي800 ألف شاب الوافدين إليها سنويا. والملاحظة الجديرة بالانتباه إن النظام الايراني يركز على المشروعات ذات التقنية المتطورة : مثل محطات الطاقة النووية, ومنشآت صناعة الصواريخ, وكل تلك المشاريع لا توفر التكنولوجيا المناسبة لتنمية إيران وتطورها في المدى المتوسط والمدى الطويل , فقد أثبتت التجربة السوفياتية ان هذه المشروعات لا يمكن أن تشكل أساسا للتنمية الاقتصادية. ونظرا إلى الواقع الديموغرافي في إيران , يجب عليها التركيز على الصناعات التي تعتمد على وفرة الأيدي العاملة.
ان استمرار تدهور الأوضاع المعيشية في إيران وازدياد الهوة بين الطبقتين الغنية والفقيرة, فالعمال والفلاحون وموظفو الدولة يعانون كثيرا من المشكلات الاقتصادية والمعيشية مع انخفاض أسعار الطاقة مع التضييق الاقتصادي الغربي على إيران نتيجة الطموحات النووية ويمكن أن يتسبب في حدوث ردة فعل شعبية عنيفة سوف يتحمل مسؤولية العبء الأكبر فيها القادة الممسكون بالحكم في طهران, والذين يرفعون الشعارات الرنانة التي تفتقر الى الواقعية الاقتصادية, وهذا قد يتسبب في زعزعة الاستقرار الداخلي في إيران.
وهكذا فان المحلل يصل الى قناعة أن مع استمرار وتيرة الاقتصاد الايراني بالشكل الحالي فإن ذلك يمثل اكبر العوامل في تخفيض سقف التوقعات في نجاح المشروع الايراني, سواء من حيث توسيع نفوذها ودورها الأمني الإقليمي ومحاولة تقليص أوحتى شطب ونفي أدوار أخرى مؤثرة في المنطقة, ومن ثم فإن القادة الايرانيين قد يجدون انفسهم مضطرين لمحاولة تحقيق تلك الاهداف بعد تكييفها من خلال المشاركة مع أدوار أخرى لدول أخرى .
* خبير في الشؤون السياسية والستراتيجية
إلى جانب رغبة الدولة الايرانية في تصدير روح الثورة الإسلامية باتجاه المجتمعات الشيعية في الدول المجاورة, وفي إعطاء سياستها الخارجية سمة إسلامية من خلال التمسك ببعض القيم الإسلامية كثوابت (كالموقف من إسرائيل) وتدعيم قوى مثل "حزب الله" و"حماس" على حساب إضعاف الدولة اللبنانية والسلطة الفلسطينية . كما أن القومية الفارسية تشكل الدافع الأساسي للدور الذي تريد إيران أن تؤديه على المستويين الإقليمي والدولي. واللافت أن إيران لا تعطي أهمية للخلافات الجيوسياسية مع جيرانها , بل تتركز كل جهودها حول النفوذ والدور الأمني الإقليمي الذي تريد أن تمارسه الآن أو ضمن أي نظام أمني مستقبلي. فهى تنفق اموالا كثيرة في سبيل تحقيق ذلك الهدف ويبقى البعد الغائب في التحليل ما دمنا نتحدث عن مصالح وقدرات هو التساؤل: هل تملك الدولة الايرانية المصادر الاقتصادية والمالية للاستمرار في هذا الدور ? تقارير دولية مثل تقاريرصندوق النقد الدولي تتحدث عن أن المواجهة بين الأسرة الدولية وإيران بسبب برنامج الأخيرة النووي أثرت في الاقتصاد الإيراني سلباً, ويمكن أن تهدد الاستثمارات والنمو الاقتصادي الى حد أبعد.ونلاحظ بالاضافة الى العقوبات الدولية على ايران ان المانيا الشريك الاكبر الغربي تضغط – على شركاتها لتقليل حجم التعامل مع ايران مما ادى الى تراجع حجم التجارة الالماني الايراني بنسبة 30 في المئة. كما أن استمرار تدهور الأوضاع المعيشية في إيران يمكن أن يتسبب في هزات شعبية عنيفة لأن الاستقرار السياسي في ايران شديد الإرتباط بالازدهار الاقتصادي , ورغم أن العلاقة بين البؤس الاقتصادي وظهور التطرف السياسي في الشرق الأوسط ليس من السهل اثباتها , فإن هناك ما يشبه الإجماع على أن مصير الجمهورية الإسلامية الإيرانية ,والصلة بين المثل الثورية والواقع وتأييد الرأي العام للنظام الإيراني, كل ذلك, يتوقف كثيرا على قدرة الحكومة الإيرانية على إعادة تنشيط الاقتصاد, الذي يعاني من صعوبات حقيقية وخطيرة, رغم ارتفاع أسعار النفط خلال الخمس سنوات الأخيرة . ويفاقم من تلك المعضلة الانخفاض الحاد في أسعار الطاقة, بدءا من النصف الثاني من العام الماضي, اذ يعتمد الاقتصاد الإيراني بشكل أساسي على الصادرات النفطية. فالذهب الأسود يشكل 85 في المئة من إجمالي الصادرات. وقد ارتفعت العائدات النفطية من 32 مليارا عام 2004 إلى 50 مليارا عام 2006 كما أن غياب التنوع في نشاطات التصدير يضر بالاقتصاد لأنه يقوم على التخصص في قطاعات أولية غير متطورة, و غير قادرة على مواجهة المنافسة. كما أن الضعف التكنولوجي للاقتصاد الإيراني يفرض عليه التموين من الخارج خصوصا وأن ذوي الكفاءات يهاجرون إلى الغرب مما يزيد من حدة ظاهرة ضعف التنوع الاقتصادي . فلا شك أن هناك محنة اقتصادية حقيقية يعيشها المجتمع الإيراني. فإذا سلطنا الضوء على المعطيات الكََمية للاقتصاد الإيراني نصل إلى خلاصة مفادها أن 85 في المئة من البنية الإنتاجية يملكها النظام الحاكم. و على غرار الاقتصادات الموجهة, فالقرارات لا تصدر من دون موافقة "السلطات المعنية", الشيء الذي يضعف الحريات الاقتصادية و يشجع اقتصاد الريع. ففي إيران, قام النظام الحاكم على ولاية الفقيه بتفويض إدارة شؤون البلاد الاقتصادية للحرس الثوري "الباسداران" مقابل توفير الحماية للنظام. مما أدى إلى سيطرة "الباسداران" على جزء كبير من الاقتصاد, فالرئيس الإيراني الحالي, السيد محمود أحمدي نجاد, وعدد من وزرائه ينتمون إلى"الباسداران". ومن البدهي أن يصبح من السهل حصول التجار المنتمين إلى "الباسداران", على مشاريع الدولة الكبيرة كمشروع تطوير حقل بارس الجنوبي للغاز المقدر ب¯ 1.56 مليار يورو (نحو 2.10 مليار دولار أميركي ).
و يعتبر الاقتصاد الإيراني في الوقت الحالي فريسة للتخلف. فالناتج المحلي الإجمالي نحو ال¯196.3 مليار دولار. و الدخل الوطني الإجمالي (بمقياس القوة الشرائية للعام 2005) وصل إلى 545 مليار دولار, نحو 8050 دولارا للفرد الواحد. أما بالنسبة لمؤشر التنمية البشرية, فتحتل إيران المركز 96 بين دول العام بمعدل 0.746 كل تلك الأوضاع غير المواتية تعرقل مشاريع الفاعلين الاقتصاديين. تضاف إلى ذلك نسبة بطالة مرتفعة تطال 20 مليون نسمة من سكان إيران الذين يصل عددهم إلى 70 مليونا. كما أن سوق العمل حاليا مشبعة ولا يمكنها أن تحتوي800 ألف شاب الوافدين إليها سنويا. والملاحظة الجديرة بالانتباه إن النظام الايراني يركز على المشروعات ذات التقنية المتطورة : مثل محطات الطاقة النووية, ومنشآت صناعة الصواريخ, وكل تلك المشاريع لا توفر التكنولوجيا المناسبة لتنمية إيران وتطورها في المدى المتوسط والمدى الطويل , فقد أثبتت التجربة السوفياتية ان هذه المشروعات لا يمكن أن تشكل أساسا للتنمية الاقتصادية. ونظرا إلى الواقع الديموغرافي في إيران , يجب عليها التركيز على الصناعات التي تعتمد على وفرة الأيدي العاملة.
ان استمرار تدهور الأوضاع المعيشية في إيران وازدياد الهوة بين الطبقتين الغنية والفقيرة, فالعمال والفلاحون وموظفو الدولة يعانون كثيرا من المشكلات الاقتصادية والمعيشية مع انخفاض أسعار الطاقة مع التضييق الاقتصادي الغربي على إيران نتيجة الطموحات النووية ويمكن أن يتسبب في حدوث ردة فعل شعبية عنيفة سوف يتحمل مسؤولية العبء الأكبر فيها القادة الممسكون بالحكم في طهران, والذين يرفعون الشعارات الرنانة التي تفتقر الى الواقعية الاقتصادية, وهذا قد يتسبب في زعزعة الاستقرار الداخلي في إيران.
وهكذا فان المحلل يصل الى قناعة أن مع استمرار وتيرة الاقتصاد الايراني بالشكل الحالي فإن ذلك يمثل اكبر العوامل في تخفيض سقف التوقعات في نجاح المشروع الايراني, سواء من حيث توسيع نفوذها ودورها الأمني الإقليمي ومحاولة تقليص أوحتى شطب ونفي أدوار أخرى مؤثرة في المنطقة, ومن ثم فإن القادة الايرانيين قد يجدون انفسهم مضطرين لمحاولة تحقيق تلك الاهداف بعد تكييفها من خلال المشاركة مع أدوار أخرى لدول أخرى .
* خبير في الشؤون السياسية والستراتيجية








